هل تحولت القداسة إلى ورقة انتخابية، 44 واقعة و6 حالات داخل أماكن العبادة تحت مجهر حقوق الإنسان
ريحانة برس/ سيداتي بيدا
لم تعد معركة الانتخابات محصورة في الملصقات والبرامج والخطابات الانتخابية، بعدما كشف تقرير أولي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان عن معطيات تضع واحداً من أكثر الملفات حساسية في قلب النقاش إقحام الدين والرموز الدينية في التنافس على أصوات الناخبين.
المجلس أعلن رصد 44 حالة اعتبرها ملاحظوه توظيفاً صريحاً للرموز الدينية خلال الحملة الانتخابية، فضلاً عن 6 حالات شهدت تنظيم أنشطة انتخابية داخل أماكن العبادة.
لكن الرقم الأكثر إثارة للانتباه جاء من الفضاء الرقمي؛ إذ عاين فريق الرصد أكثر من 2030 محتوى يتضمن توظيفاً للدين في الخطاب الانتخابي. وتضمنت بعض المضامين اتهامات لأحزاب بأنها “تحارب الإسلام”، إلى جانب رسائل تربط الاختيار الانتخابي بالمحاسبة أمام الله.
هنا تتجاوز القضية حدود الدعاية الانتخابية التقليدية، لأن تحويل المنافسة السياسية إلى اختبار في الإيمان يغيّر طبيعة السؤال الذي يفترض أن يجيب عنه الناخب داخل المعزل: أي برنامج؟ أي حصيلة؟ أي مشروع؟
فالانتخابات يفترض أن تكون ساحة للتنافس حول تدبير الشأن العام، وليس ميداناً لمنح الشرعية السياسية عبر توظيف المقدس أو تقديم مرشح باعتباره الأقرب إلى الدين، ومنافسه باعتباره في الجهة المقابلة.
والأخطر أن التقرير أشار إلى مضامين تتحدث عن توزيع أموال داخل مسجد، واستعمال مكبر صوت مسجد للدعوة إلى تجمع انتخابي، فضلاً عن تصوير مرشحين داخل زوايا ومضامين تحث على التصويت لجهة سياسية باعتبارها “الأقل ضرراً على الدين”.
المسجد للعبادة، والمنبر ليس منصة انتخابية، والإيمان لا ينبغي أن يتحول إلى أداة ضغط على إرادة الناخب.
كما أن مبدأ حياد أماكن العبادة ليس تفصيلاً ثانوياً؛ فقد سبق للمجلس نفسه، خلال ملاحظته انتخابات 2021، أن سجل حالات لأنشطة انتخابية داخل أماكن العبادة، ما يؤكد أن الإشكال ليس وليد الاستحقاق الحالي وحده.
المعركة الانتخابية الحقيقية يجب أن تُحسم بالبرامج، والحصيلة، والقدرة على الإقناع، لا بتوزيع شهادات في التدين أو تخويف المواطنين من عواقب اختياراتهم السياسية.
وفي نهاية المطاف، يبقى صوت الناخب ملكاً لصاحبه؛ لا يُمنح تحت ضغط المقدس، ولا تحت سطوة التخويف، ولا باسم الدين.
فحين تدخل القداسة إلى سوق الأصوات، تصبح حماية حرية الاختيار مسؤولية جماعية، ويصبح احترام الدين نفسه سبباً إضافياً لإبعاده عن المزايدات الانتخابية.