ريحانة برس
ما يجري في قطاع الحراسة والأمن الخاص بمدينة العيون لم يعد مجرد اختلال عابر أو سوء تدبير يمكن تبريره، بل أصبح نموذجاً صارخاً لانحراف خطير في منظومة الصفقات، حيث تُختطف المنافسة وتُفرغ القوانين من روحها، ويُدفع بالمقاول المحلي إلى الهامش قسراً، في مشهد يسيء لصورة العدالة الاقتصادية ويضرب في العمق مصداقية المؤسسات.
الوقائع على الأرض لا تحتاج إلى تزييف: دفاتر تحملات مفخخة بشروط تعجيزية، ضمانات مالية خانقة تُقصي تلقائياً المقاولات الصغرى، ومساطر إدارية معقدة تُفصَّل بعناية لتُغلق الباب أمام كل من لا يملك شبكة علاقات أو غطاء نفوذ. هكذا تُدار الصفقات في الخفاء، وهكذا يُعاد إنتاج نفس الأسماء، بينما يُطلب من المقاول المحلي أن يصفق من خارج اللعبة.
الأخطر أن هذا الوضع لم يعد يُخفى، بل يُمارس بجرأة تُثير الريبة. حديث المهنيين لم يعد همساً، بل اتهامات صريحة بوجود لوبيات تُحكم قبضتها على القطاع، تُوزع الصفقات وفق منطق الولاءات، وتُقصي كل صوت خارج دائرة المصالح. وإذا كان القانون وُجد لضبط السوق، فإن ما يحدث اليوم هو انقلاب صريح عليه، حيث تتحول القواعد إلى أدوات إقصاء بدل أن تكون ضمانات للإنصاف.
أي منطق يُبرر أن تُمنح صفقات بملايين الدراهم لشركات لا جذور لها في المنطقة، بينما تُحرم المقاولات المحلية حتى من فرصة إثبات الحد الأدنى من الكفاءة؟ وأي جدوى من الحديث عن الجهوية المتقدمة إذا كانت الثروة تُدار بعقلية مركزية مُغلقة تُقصي الفاعل المحلي وتُهمّش دوره؟
النتائج كارثية بكل المقاييس: مقاولات مهددة بالإفلاس، كفاءات محلية مُعطلة، عمال في وضع هش، وسوق فاقد للتوازن. والأسوأ أن هذا العبث يتم في قطاع حساس يُفترض أن يقوم على الثقة والانضباط، فإذا به يتحول إلى مجال للسمسرة وتصفية المصالح.
إن الصمت على هذا الوضع لم يعد حياداً، بل تواطؤاً غير معلن. والمسؤولية اليوم واضحة: إما تدخل حازم يعيد الاعتبار للقانون ويكسر هيمنة اللوبيات، أو استمرار هذا النزيف الذي سيقود حتماً إلى فقدان الثقة في كل ما له علاقة بتدبير الشأن الاقتصادي.
المطلوب إجراءات فورية لا تحتمل التسويف: فتح تحقيقات شفافة، محاسبة المتورطين، مراجعة جذرية لدفاتر التحملات، وتمكين فعلي للمقاولات المحلية من حقها المشروع في المنافسة. غير ذلك، سيبقى الحديث عن التنمية مجرد شعار أجوف، فيما تُدار الحقيقة في الظل… حيث لا قانون ولا عدالة، بل نفوذ يُقرر ومنظومة تذعن.













إرسال تعليق