ريحانة برس
تثبت مؤسسة القرض الفلاحي للمغرب، على مدى ثماني عشرة سنة من العطاء المتواصل، حضورها الوازن والفاعل كركيزة أساسية للاقتصاد القروي. ولم تكن مشاركتها المتعاقبة في المعرض الدولي للفلاحة بمكناس طيلة 18 دورة مجرد حضور عابر، بل شكلت تحولاً استراتيجياً عميقاً نقل المؤسسة من صفة بنك تمويلي كلاسيكي إلى شريك هيكلي محوري يقود التنمية المستدامة في العالم القروي بالمملكة الشريفة.
وفي سياق هذه الدينامية الممتدة، لا يمكن إغفال البصمات الإيجابية للمدراء الذين تعاقبوا على قيادة هذه المعلمة المالية. فقد شهدت فترة تولّي السيد نور الدين بوطيب محطة متميزة أثمرت نتائج طيبة، لتنضاف إلى السجل الحافل للمؤسسة. كما يظل المسار الطويل للسيد طارق السجلماسي، بكل تحدياته وإنجازاته، محطة فارقة تركت أثراً راسخاً على البنية التشكيلية والتوجهات الكبرى للقرض الفلاحي.
ولم يقتصر دور البنك على المواكبة المالية العادية وفق مخططات الدولة، بل كان بمثابة العمود الفقري الذي استندت إليه البرامج التنموية الكبرى. وتجلى ذلك بوضوح في “مخطط المغرب الأخضر” سنة 2008، حيث ابتكر البنك حلولاً تمويلية رائدة لعصرنة الضيعات ودعم السلاسل الإنتاجية. ويتواصل هذا الدور اليوم بفعالية أكبر تحت مظلة استراتيجية “الجيل الأخضر”، عبر تحفيز المقاولين الشباب في العالم القروي وتعزيز ركائز الطبقة الوسطى الفلاحية.
وتميزت جهود القرض الفلاحي بتقديم منتجات تمويلية دقيقة ومفصلة تتلاءم والخصوصيات السوسيو-اقتصادية للفلاح المغربي. ويبرز في هذا الصدد توقيع اتفاقيات شراكة مع الفيدراليات البيمهنية لقطاعات حيوية كالحبوب والحوامض والحليب. وتكريساً لمبدأ الإدماج المالي للفئات التي لا تملك ضمانات بنكية تقليدية، قدمت “مؤسسة أرضي” للقروض الصغرى سنداً متيناً لصغار الفلاحين. وفي مواجهة التغيرات المناخية، حقق التمويل الأخضر طفرة نوعية من خلال دعم مشاريع النجاعة الطاقية، والري بالتنقيط، وتحلية مياه البحر.
وعلى صعيد الابتكار التكنولوجي، حقق البنك طفرة رقمية لافتة بهدف تقريب الخدمات من المناطق النائية. وتجسد ذلك في إطلاق تطبيق “IMZAD” لتسهيل الأداء عبر الهاتف المحمول، إلى جانب النشر المكثف للوكالات البنكية المتنقلة التي واكبت زوار وعارضي المعرض الفلاحي بشكل فعال. وتجاوزت المؤسسة البعد التجاري الصرف لترسيخ ريادتها في مجال الاستدامة والتنمية البشرية، مستغلة منصة المعرض لتقديم الاستشارات التقنية والتكوين المستمر، مع تخصيص مساحات واسعة للتعاونيات النسائية والمجالية لتسويق منتجاتها.
وفي ظل التحديات الراهنة المرتبطة بنقص التساقطات المطرية وشح المياه، يبرز اسم السيد محمد فكرات كخبير استراتيجي نجح في قيادة المؤسسة بكفاءة عالية خلال ظرفية الجفاف الصعبة، محولاً البنك إلى حضن دافئ للفلاحين وسند قوي لهم. وتحت قيادته، يقود البنك اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يركز على تكريس السيادة الغذائية وبناء مرونة القطاع الفلاحي في مواجهة الأزمات المناخية، مما رفع منسوب الرضا والارتياح لدى كافة الفاعلين في القطاع.
وإحياءً لثقافة الاعتراف والامتنان، نستحضر هنا اللوحة التاريخية للمسؤولين الذين تعاقبوا على تدبير هذه المؤسسة العريقة منذ نشأتها عام 1961، متميزين بين مرحلتين رئيسيتين:
أولاً: مرحلة الصندوق الوطني للقرض الفلاحي (CNCA) كشخص عمومي:
-
- محمد بركاش (1962 – نهاية الستينات): المؤسس الفعلي والواضع اللبنات الأولى للتمويل الفلاحي في مغرب الاستقلال.
- عبد العزيز البلغيتي (السبعينات): قاد توسيع شبكة الصناديق الجهوية والمحلية لتشمل مختلف ربوع العالم القروي.
- عبد الحق التازي (الثمانينات – بداية التسعينات): حازت المؤسسة في عهده (سنة 1987) على صفة “بنك شمولي”، مما فتح آفاق تمويل قطاعات اقتصادية أخرى بجانب الفلاحة.
- رشيد الحداوي (التسعينات): أدار المؤسسة في مرحلة دقيقة انتهت مع بداية الألفية الحالية.
- سعيد الإبراهيمي (1998 – 2003): قاد ورش الإصلاح والهيكلة المالية العميق، ممهداً للتحول القانوني التاريخي للمؤسسة.
ثانياً: مرحلة مجموعة القرض الفلاحي للمغرب (CAM) كشركة مساهمة:
-
- طارق السجلماسي (2003 – 2022): قاد بنجاح أطول ولاية إدارية، حول خلالها الصندوق إلى بنك عصري حديث منفتح على جميع المواطنين مع الحفاظ على هويته وتخصصه الفلاحي.
- نور الدين بوطيب (2022 – 2023): تولى القيادة في مرحلة انتقالية هامة ناهزت السنة وبصمها بجهود متميزة.
- محمد فكرات (منذ ماي 2023): رئيس مجلس الإدارة الجماعية الحالي، الذي يقود بكفاءة رؤية جديدة تفتح آفاقاً واعدة لمواكبة استراتيجية “الجيل الأخضر” وتأمين مستقبل الفلاحة الوطنية.
