الفوارق الاقتصادية والعدالة الاجتماعية في المغرب تحت مجهر الصحافة الفرنسية

ريحانة برس – عبد الوفي العلام 

في الوقت الذي يستعد فيه المغرب لترسيخ موقعه كقوة اقتصادية إقليمية، مستفيداً من تدفق الاستثمارات الأجنبية، ومشاريع البنية التحتية العملاقة من طنجة إلى الداخلة، والتجهيزات اللوجستية الضخمة استعداداً للاستحقاقات الرياضية والتنموية المقبلة؛ تفتح وسائل إعلام وقنوات استقصائية فرنسية نافذة نقدية حادة على الوجه الآخر لهذ التحول عنوانها هو “عمق الفوارق المجالية والاجتماعية التي ما زالت تكبل فئات واسعة من المجتمع”.

عبر سلسلة من التحقيقات الميدانية والتقارير الاستقصائية الصادرة عن منصات مثل Mediapart وL’Humanité وLe Monde Diplomatique، يرسم الصحافيون والباحثون صورة معقدة لبلد يعيش على إيقاع سرعتين متناقضتين، سرعة فائقة للتحديث المالي والصناعي، وسرعة بطيئة للغاية في جني ثمار هذا النمو لدى الفئات الهشة والمناطق القروية.

1. ثنائية الجغرافيا “المغرب النافع” و”المغرب العميق”

تستعيد التحقيقات الصحفية الفرنسية مفهوم “المغرب النافع وغير النافع” كمدخل تحليلي لفهم توزيع الثروة والمشاريع. فبينما يستحوذ الشريط الساحلي الممتد من طنجة شمالاً إلى الدار البيضاء وسلا جنوباً على حصة الأسد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والمناطق الصناعية، والشبكات الطرقية فائقة السرعة، تظل مناطق الأطلس والريف والشريط الشرقي تعاني من عزلة هيكلية.

وقد سلّطت التقارير الضوء على تداعيات الكوارث الطبيعية والأزمات المناخية، مثل زلزال الحوز، لتكشف عن هشاشة الخدمات الأساسية في القرى والمدن الجبلية. ورغم الجهود الحكومية المبذولة، أظهرت التغطيات الميدانية للصحافة المستقلة صعوبة النفاذ إلى الرعاية الصحية ذات الجودة، وضعف شبكات التزويد المستمر بماء الشرب والكهرباء، بالإضافة إلى العقبات الإدارية واللوجستية التي واجهت مسار إعادة الإعمار وتعويض المتضررين.

2. احتكار الأسواق وتضارب الثروة والمال بالسلطة

لا تقتصر القراءة النقدية على الجغرافيا، بل تمتد إلى نسيج الاقتصاد الوطني نفسه. تشير صحيفة Mediapart ومواقع استقصائية أخرى إلى أن تركيز الثروة في قطاعات حيوية يمثل عائقاً رئيساً أمام تحقيق العدالة الاجتماعية.

ويرى التقرير الاستقصائي أن قطاعات مثل المحروقات، والتوزيع، والاتصالات، وبعض مجالات العقار، تخضع لمنظومة يطغى عليها التمركز الشديد والتفاهمات الضمنية بين كبار الفاعلين. هذا التمركز، بحسب الصحافة الناقدة، يحرم المقاولات الصغرى والمتوسطة من التنافسية الحرة، ويؤدي إلى رفع أسعار المواد الأساسية على المستهلك النهائي.

كما تنتقد هذه التقارير النظام الضريبي الحالي، موضحة أن العبء المالي يقع بشكل أساسي على عاتق الأجراء والموظفين عبر الضريبة على الدخل، وعلى عموم المواطنين عبر الضريبة على القيمة المضافة (TVA)، في حين تحظى قطاعات استثمارية أخرى بإعفاءات وتسهيلات ضريبية كبيرة تحت داعي تشجيع الاستثمار.

3. نزيف البطالة ومعضلة القطاع غير الهيكلي

من بين المحاور الأكثر إثارة للجدل في الصحافة الفرنسية هي الفجوة بين نسب نمو الناتج الداخلي الخام ومعدلات خلق مناصب الشغل القارة. فعلى الرغم من إعلان المغرب عن جلب استثمارات بمليارات الدولارات في قطاعات السيارات والهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة، فإن نسب بطالة الشباب حاملي الشهادات في المدن تتجاوز في بعض الجهات سقف 30\%.

هذا العجز عن استيعاب الطاقات الشبابية يدفع ملايين المواطنين إلى الارتماء في أحضان “الاقتصاد الهامشي” أو القطاع غير الهيكلي. وترصد التقارير كيف ينشط هؤلاء العمال في ظروف تفتقر إلى أدنى شروط الحماية الاجتماعية، وبأجور زهيدة لا تغطي تكاليف العيش الأساسية، مما يجعل هذه الفئات أول الضحايا عند حدوث أي موجة تضخم أو تقلبات اقتصادية عالمية.

4. ورش الحماية الاجتماعية بين الطموح والتطبيق

تطرقت الاستقصاءات الفرنسية أيضاً إلى برنامج تعميم التغطية الصحية (AMO) ومبادرة “الدعم الاجتماعي المباشر” التي أطلقتها الحكومة المغربية لتأسيس معالم “دولة الرعاية”.

وفي حين تقر التقارير بأهمية هذه الخطوة وأبعادها الاستراتيجية، إلا أنها تطرح تساؤلات حول استدامتها التمويلية ومدى فعاليتها الميدانية. وتستعرض الصحافة الميدانية شهادات لمواطنين في المناطق القروية يواجهون صعوبات في تسجيل أسمائهم في السجل الاجتماعي الموحد، أو يشتكون من اقتطاع الدعم المالي وتراجع الخدمات الصحية في المستشفيات العمومية المكتظة، مما يضطرهم للتوجّه إلى القطاع الخاص المكلف.

الرواية الرسمية للدولة، رهانات المستقبل والنموذج التنموي

في المقابل، تؤكد السلطات والمؤسسات الرسمية المغربية أن هذه القراءات الفرنسية تُغفل السياق الإقليمي والدولي المعقد، ولا تنصف الحجم الحقيقي للإصلاحات الجارية. وتشدد الموقف الرسمي على أن:

النموذج التنموي الجديد وضع كهدف أسمى تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية بحلول عام 2035 عبر إعادة هيكلة المدرسة العمومية، وتطوير المنظومة الصحية، وتحفيز الاستثمار في الجهات النائية.

برامج الدعم الاجتماعي المباشر وتعميم التغطية الصحية تشكل نقلة نوعية وتاريخية تجري أجرأتها بشكل تدريجي لمعالجة الهشاشة من جذورها.

وبين الطرح التحليلي للصحافة الفرنسية الناقدة والتأكيدات الرسمية للحكومة المغربية، تظل مسألة العدالة الاجتماعية والفوارق الاقتصادية التحدي الأكبر الذي يواجه المغرب الحديث. وإن كانت الاستثمارات الكبرى والبنية التحتية تشكل محرك الاقتصاد، فإن تحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى قدرة الدولة على إيصال ثمار هذا النمو إلى المواطن البسيط في أقاصي الجبال كما في قلب المدن الكبرى.