ريحانة برس – عبد الوفي العلام
في الوقت الذي ترفع فيه الشعارات الكبرى حول ترسيخ دعائم “الدولة الاجتماعية” وتجويد الخدمات الصحية وتقريبها من المواطن، اهتز الرأي العام الوطني على وقع فضيحة صحية غير مسبوقة بالمستشفى الجامعي محمد السادس بطنجة.
فبدلاً من أن تجد الفئات الهشة والمسنون الدعم والعناية، تحولت قاعات العلاج إلى مسرح لمأساة إنسانية صامتة راح ضحيتها 15 مريضاً بداء السكري، وجدوا أنفسهم يواجهون شبح العمى الدائم، إثر تلقيهم حقناً علاجية داخل هذه المؤسسة الاستشفائية الحيوية.
تعود تفاصيل الفاجعة إلى تعرض مجموعة من المرضى المصابين بداء السكري، وغالبيتهم من المسنين، لالتهابات بكتيرية حادة عقب تلقيهم حقناً طبية دقيقة تتعلق غالباً بحقن علاج اعتلال الشبكية السكري أو ما شابه من الحقن داخل العين.
هذه الالتهابات لم تكن عابرة، بل أسفرت عن تداعيات كارثية تمثلت في فقدان ما لا يقل عن 15 مريضاً لبصرهم بشكل شبه تام، مما ألقى بهم في ظلام دامس حطم آمالهم في العلاج وحول حياتهم وحياة أسرهم إلى جحيم معانات يومية.
أمام هذا الوضع المأساوي، اختارت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، بقيادة الوزير يونس بجيجو، نهج الصمت والتكتم المطبق. فقد اتهمت فعاليات حقوقية وإعلامية الوزارة بمحاولة طمس معالم الفضيحة عبر رفض الإفصاح عن التقارير النهائية للجان التقصي الموفدة إلى عين المكان.
وفي محاولة للخروج من أزمة الضغط الإعلامي، خرجت الوزارة ببيانات وبلاغات تبرئ فيها نفسها من تهمة استعمال أدوية منتهية الصلاحية، مؤكدة سلامة المنتجات الصيدلانية المستعملة. غير أن هذا التبرير زاد الطين بلة، إذ وضع الوزارة في قفص الاتهام بخصوص العجز التام عن تفسير سوء التخزين، غياب شروط التعقيم السليم، واختلالات سلسلة الحفظ، وهي عوامل رئيسية كفيلة بتحويل دواء سليم إلى مادة سامة ناقلة للبكتيريا المدمرة للأنسجة الحساسة للعين.
وتؤكد مصادر مطلعة أن الوزارة تحاول الالتفاف على الواقع الأليم من خلال تقديم أرقام وتفسيرات وصفت بـ”المطمئنة” ولا تعكس بتاتاً حجم الكارثة الفعلية على الأرض. وفي هذا السياق، كشفت التحاليل المخبرية عن ظهور تعفن بكتيري في عينتين من أصل 34 عينة جرى إخضاعها للفحص، وهو مؤشر وبائي خطير يثبت وجود بؤرة تعفن داخل مرافق الاستشفاء، بينما تصر الوزارة على التعامل بلغة التبرير عوض مواجهة الحقيقة المتمثلة في أضرار بصرية دائمة ومستديمة لحقت بالضحايا.
أمام صدمة التخلي المؤسساتي ورفض الإدارة تقديم التعويضات المعنوية والمادية أو تحمل مسؤولية التكفل الشامل بعلاج الحالات المتضررة ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لم يجد الضحايا وأسرهم بداً من طرق باب القضاء.
فقد باشرت العائلات خطوات قانونية لتسجيل شكايات قضائية تروم فتح تحقيق نزيه ومستقل لتحديد المسؤوليات التمريضية والإدارية والتقنية، وترتيب الآثار القانونية الجنائية والمدنية في حق كل من ثبت تورطه في هذا الإهمال الجسيم الذي أفضى إلى عاهات مستديمة.
إن ما جرى بالمستشفى الجامعي محمد السادس بطنجة ليس مجرد “خطأ طبي” عابر، بل هو اختبار حقيقي لمدى نجاعة السياسات العمومية في قطاع الصحة. كما أنه يضع شعار “الدولة الاجتماعية” على المحك، ويطرح علامات استفهام كبرى حول ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومدى جاهزية البنيات التحتية الاستشفائية الكبرى لحماية أرواح وسلامة المرضى الذين يدخلونها بحثاً عن الشفاء لا بحثاً عنعاهات دائمة.
