“ضرب الشعب وبكا وسبقني وشكا” الوجه القاصح للبرلماني إدريس السنتيسي

  • الكاتب : عبد الوفي العلام
  • بتاريخ : 24 أبريل، 2026 - 15:47
  • ريحانة برس

    “ضربتي وبكا وسبقني وشكاهذا المثل المغربي الشعبي من أكثر الأمثال ذكاءً في وصف “سيكولوجية الضحية المزيفة”، ويُضرب عادةً للشخص الذي يرتكب الخطأ في حقك، وبدل أن يعتذر منك، يسارع إلى لعب دور المظلوم ليقلب الطاولة عليك.

     

    “ضربني وبكا” تشير إلى الشخص الذي يبدأ بالاعتداء سواء كان اعتداءً جسدياً، أو معنوياً كالإهانة أو الخيانة، ولكنه بمجرد القيام بفعلته، يظهر بمظهر المتألم والباكي لكي يكسب عطف الآخرين ويُنسيهم فعلته الأصلية.

    أما “سبقني وشكا” فهنا تكمن “الحيلة الذكية”، فهو يسارع بالذهاب للإعلام أو القاضي أو نشر بلاغات ليشتكي منك قبل أن تشتكي أنت منه، وذلك لكي يُثبّت في أذهانهم روايته هو للأحداث ويجعلك أنت في موقف الدفاع عن النفس.

    فمتى يُقال هذا المثل؟

    يُستخدم هذا المثل لوصف الشخص المراوغ أو المخادع الذي يتقن فن “الهروب للأمام”. وهو تعبير عن قمة الظلم الممزوج بالدهاء، حيث يصبح المعتدي في نظر الناس ضحية، ويصبح صاحب الحق الحقيقي متهماً.

    في عصرنا الحالي يمكن ربط هذا المثل بمصطلح “التلاعب النفسي”، حيث يقلب الشخص الحقائق ليجعلك تشك في نفسك وفي واقعة الاعتداء التي تعرضت لها.

    هذا الموقف هو تجسيد حي للمثل الذي بين أيدينا، يتعلق الأمر بالبرلماني إدريس السنتيسي الذي نشر موقع ريحانة برس حوله حلقات في إطار سلسلة زواج المال والسلطة،  والذي تلاحقه شبهات “فساد مالي” و”تبديد أموال عمومية”، لكنه يرى في الهجوم أفضل وسيلة للدفاع. برفع شكاية ضد مدير نشر الموقع عبد الوفي العلام بتهمة القذف والتشهير  والسب، وهو تكتيك يهدف إلى نقل الصحفي من “مُبلّغ” أو “ناقد” إلى “متهم”، لإجباره على الصمت أو استنزاف الوقت في أروقة المحاكم. أو زرع الخوف لإيقاف النشر.

    سلاح “الحجة والدليل” في مواجهة التشهير

    في القانون المغربي، يُعرّف التشهير والقذف والسب أيضاً بنشر ادعاءات أو وقائع كاذبة بقصد المساس بالحياة الخاصة للأشخاص. لكن وجود “الدليل والحجة” يغير موازين القوى، فإثبات الحقيقة يمكن أن يكون وسيلة دفاع، خاصة إذا كانت القضية تتعلق بتدبير الشأن العام والمال العام، وليس بالحياة الخاصة للبرلماني أو السياسي، خصوصًا إذا استحضرنا أن الهدف من هذه الحلقات هو المصلحة العامة وكشف الفساد وليس تصفية حسابات شخصية، أو حسابات سياسية كما يعتقد إدريس السنتيسي، فليس لنا في السياسة ناقة ولا جمل، ولم يسبق لنا طيلة حياتنا أن شاركنا في الإنتخابات ولو بالتسجيل في لوائح الناخبين.

    التحديات القانونية الجديدة في المسطرة الجنائية 2025

    هناك نقاش حقوقي واسع حول التعديلات الأخيرة التي أُدخلت على قانون المسطرة الجنائية خاصة المادة الثالثة، والتي قيدت حق المواطنين والجمعيات في التبليغ المباشر عن جرائم المال العام، وحصرت تحريك الدعوى العمومية في جهات رسمية محددة. هذا التوجه قد يستغله البعض لمحاولة تجريم “الفضح العلني” للفساد خارج المسارات الرسمية.

    سوابق قضائية مماثلة

    شهدت الساحة المغربية مؤخراً قضايا مشابهة، أشهرها إدانة الصحفي “حميد المهداوي” بالسجن النافذ عاماً ونصف في نوفمبر 2024 بتهمة “بث ادعاءات كاذبة والتشهير” بعد شكاية من وزير العدل عبد اللطيف وهبي. هذه الأحكام تشير إلى أن القضاء يشدد في التعامل مع ما يعتبره “تشهيراً” حتى لو كانت هناك ملفات فساد مفترضة.

     

    صحيح أن هناك حوالي 34 برلمانياً تمت متابعتهم أو إدانتهم بتهم فساد وتبديد أموال خلال الفترة الأخيرة، وقد جُرد العديد منهم من عضويتهم. هذا يعني أن “الحصانة” لم تعد درعاً لا يُقهر ضد جرائم الأموال، لكنهم غالباً ما يستخدمون “شكايات التشهير” كغطاء سياسي لدر الرماد في العيون. او تجسيدا للمثل الذي ذكرنا سابقا.

    قبل ذهابنا لمصالح الشرطة القضائية بولاية الأمن بالرباط يوم الإثنين، اتصل بناء مجموعة من الزملاء الصحافيين وبعض المحامين مشكورين للمؤازرة وإبداء مجموعة من النصائح في مثل هذه الحالات كانت أبرزها،

    مسألة توثيق الأدلة والتأكد من أن كل وثيقة تم نشرها أو لم يتم نشرها بعد يجب أن تكون رسمية وقانونية، لأنها ستكون خط الدفاع الأول أمام وكيل الملك وأمام القضاء. 

    أيضًا التفريق بين الصفة والحياة الخاصة، حيث ضرورة التركيز دائماً في الدفاع على أن المقالات يجب أن تكون موجهة للبرلماني بصفته “مدبراً للمال العام” وليس لشخصه أو عائلته.

    بالإضافة لصفة الصحفي المهني الاستقصائي الحاصل على بطاقة الصحافة تمنحه “درعاً” قانونياً قوياً، لكنها تضع على عاتقه أيضاً مسؤوليات جسيمة أمام القضاء. فما يقوم به هذا البرلماني هو محاولة لإسكات صوت الصحافة من حيث دورها “الرقابي”، وهي معركة يخوضها العديد من الصحافيين في المغرب حالياً، حيث ارتفعت متابعات الصحافيين المهنيين من 21 حالة في 2023 إلى 52 حالة في 2024.

    لكن كيف يحمي القانون المغربي الصحافي وما هي الثغرات التي قد يحاول استغلالها من يلعب دور الضحية؟

    ينص قانون الصحافة والنشر المغربي في المادة 49 على أنه يمكن إثبات صحة وقائع القذف إذا كانت تتعلق بالمهام الرسمية مثل تدبير المال العام.

     

    واذا كانت الحجة قوية والأدلة عبارة عن وثائق رسمية، وتقارير مجلس الأعلى للحسابات، أو صفقات مشبوهة، فإن القانون يعفي من العقوبة إذا ثبتت صحتها. أيضًا شرط الحيازة السابقة يعني أن تكون هذه الأدلة في حوزة الناشر قبل عملية النشر لكي تثبُتَ “النية الحسنة” والمهنية.

     

    لكن في المقابل أكبر خطر يواجه الصحافيين الاستقصائيين اليوم هو لجوء المشتكين مثل صاحبنا السنتيسي إلى القانون الجنائي بدلاً من قانون الصحافة.

     

    لماذا القانون الجنائي؟ لأن قانون الصحافة لا يتضمن عقوبات حبسية. بل غرامات فقط قد تصل لـ 500 ألف درهم، بينما القانون الجنائي يسمح بالمتابعة في حالة اعتقال.

    وغالباً ما يتم تكييف القضية كـ “نشر ادعاءات كاذبة بهدف التشهير” او القذف والسب حسب المادة 442 من القانون الجنائي أو “المس بالحياة الخاصة” كتهمة مفضلة لمجموعة من السياسيين.

    حصانة البرلماني في المغرب 

    معلوم أن البرلماني في المغرب لا يتمتع بالحصانة في قضايا جرائم الأموال كتبديد المال ونهبه أو اختلاس أو تلاعبات في الصفقات العموميةوووو، إذا كانت هناك حالة تلبس أو بقرار قضائي. لكنه يَستخدم “شكاية التشهير” ليشوش على ملفه الأصلي. بدليل أن هناك حوالي 34 برلمانياً خضعوا للمتابعة في سنتي 2024 و2025، مما يعني أن “فضح الفساد” بالدليل هو توجه تدعمه مؤسسات الدولة الرسمية أيضاً.

    فهل صفة “الصحفي الاستقصائي”، وامتلاك “الوثائق الرسمية والمراسلات الإدارية” يضعه في موقف قوي جداً من الناحية المهنية، أم يفتح أمامه تحديات قانونية دقيقة في السياق المغربي الحالي؟

     

    في قضايا القذف، يعتبر “إثبات الحقيقة” (La vérité des faits) هو الدفاع المطلق. في المادة 80 و 81 من قانون الصحافة والنشر المغربي التي تعفي الصحفي من المسؤولية إذا أثبت صحة الوقائع المتعلقة بـ “تدبير الشأن العام” أو جرائم “المال العام”.

     

    وجود تقارير رسمية مثل تقارير المجلس الأعلى للحسابات أو المفتشية العامة للمالية يجعل من الصعب على البرلماني إثبات “سوء النية” أو”الكذب”. كحالتنا مع إدريس السنتيسي.

     

    من المهم أن ندرك أننا لسنا وحدنا في هذه المعركة، فالمغرب يشهد حالياً “حملة تطهير” واسعة. ومسألة “الحصانة البرلمانية” لم تعد تحمي من المحاسبة. ففي عام 2024 وحده، تمت متابعة عشرات البرلمانيين والمنتخبين بتهم “جرائم الأموال”.

    أيضًا دعم مسألة التبليغ عن الفساد التي جاءت في الخطب الرسمية وتوجهات رئاسة النيابة العامة تؤكد على حماية المال العام، وهذا يصب في مصلحة عمل الصحفي الاستقصائي.

    ملاحظة:

    للإطلاع على الحلقات تجدوها على موقع ريحانة برس، وموقع يوتيوب التابع للموقع 

    يتبع،،،،،