باريس على صفيح الفضائح، تحول المدارس إلى ساحة اتهامات والمحاكم إلى ميدان حرب سياسية
ريحانة برس/ سيداتي بيدا
في الدول التي تتباهى بدولة القانون، لا تُقاس قوة المؤسسات بما ترفعه من شعارات، بل بقدرتها على كشف الحقيقة مهما كانت مؤلمة. أما حين تمتزج ملفات الاعتداءات الجنسية بصراعات السياسة، فإن العدالة تصبح أمام امتحان عسير، وتتحول المدارس من فضاءات للتربية إلى عنوان لواحدة من أكثر القضايا إثارة للغضب والجدل.
هذا المشهد يخيّم اليوم على العاصمة الفرنسية باريس، بعدما انفجرت مواجهة قضائية غير مسبوقة بين بلدية المدينة ووزيرة الثقافة الفرنسية رشيدة داتي، في قضية تجاوزت حدود الخلاف السياسي لتلامس ملفاً بالغ الحساسية يتعلق بسلامة الأطفال داخل المؤسسات التربوية.
فقد صوّت مجلس مدينة باريس لصالح منح رئيس البلدية إيمانويل غريغوار صلاحية رفع دعوى قضائية ضد داتي بتهمة التشهير، إثر تصريحات اتهمت فيها مسؤولي البلدية بالتستر على تجاوزات خطيرة داخل قطاع الأنشطة المدرسية، مدعية أن موظفين مشتبهًا في تورطهم في اعتداءات جنسية نُقلوا بين المدارس بدل إحالتهم على القضاء.
اتهامات من هذا الحجم كانت كافية لإشعال عاصفة سياسية وقانونية. فالبلدية اعتبرت تصريحات داتي مساساً مباشراً بسمعتها وبثقة المواطنين في مؤسساتها، مؤكدة أن القضاء هو الجهة الوحيدة المخول لها الفصل في مثل هذه الادعاءات، وليس المنابر السياسية أو الحملات الإعلامية.
في المقابل، رأت أطراف من المعارضة أن اللجوء إلى القضاء لا يعدو كونه محاولة لإخماد الأصوات المنتقدة وتحويل النقاش من جوهر القضية إلى ملاحقة من كشفها، معتبرة أن حماية صورة المؤسسة لا ينبغي أن تتقدم على كشف أي تقصير محتمل في حماية الأطفال.
لكن الأرقام الرسمية تكشف أن الأزمة أعمق من مجرد تبادل للاتهامات. فمنذ بداية العام، علّقت بلدية باريس مهام 132 منشطاً في قطاع الأنشطة المدرسية، بينهم 52 شخصاً يشتبه في تورطهم في اعتداءات أو أعمال عنف ذات طابع جنسي، بينما تتواصل التحقيقات القضائية والإدارية ولجان المراقبة المستقلة لكشف حقيقة ما جرى وتحديد المسؤوليات.
إن أخطر ما تكشفه هذه القضية ليس فقط حجم الاتهامات، بل هشاشة الثقة عندما تتقاطع السياسة مع ملفات تمس أمن الأطفال وكرامتهم. فالتستر، إن ثبت، جريمة أخلاقية وقانونية، والتشهير دون دليل اعتداء لا يقل خطورة على العدالة.
ويبقى الحكم الأخير للقضاء وحده، فهو الكفيل بتمييز الحقيقة من الادعاء، والمسؤولية من المزايدة. أما الضحية الكبرى في كل ذلك، فهي ثقة المجتمع في مؤسساته، وهي ثقة لا تُستعاد بالخطب السياسية، بل بالشفافية والمحاسبة الصارمة، مهما كانت الأسماء والمناصب.