وليمة الموت على الرصيف حين تتحول لقمة الفقير إلى حكم بالإعدام البطيء
ريحانة برس/ سيداتي بيدا
ليس أخطر ما في عربات الوجبات السريعة المنتشرة على الأرصفة أنها تبيع طعاماً رخيصاً، بل أنها قد تبيع الموت بثمن زهيد، في مشهد يتكرر حتى أصبح جزءاً من الحياة اليومية. وما شهدته مدينة صفرو من حالات تسمم غذائي جماعي لم يكن حادثاً استثنائياً، بل صفعة مدوية تكشف حجم الانهيار في منظومة المراقبة الصحية، وتفضح واقعاً تُترك فيه صحة المواطنين رهينة للفوضى والإهمال.
إن ما جرى لا ينبغي أن يُختزل في خبر عابر أو رقم جديد يضاف إلى سجلات المستشفيات، بل هو جريمة مكتملة الأركان، لأن الضحية لم تمت بفعل القدر، وإنما بفعل الإهمال، وغياب الرقابة، وتراخي الجهات التي يفترض أنها الحارس الأول للأمن الغذائي. ففي كل رصيف يحتضن عربة غير خاضعة للمعايير، تكمن قنبلة صحية قابلة للانفجار في أي لحظة.
المشهد لا يحتاج إلى كثير من التدقيق؛ لحوم مجهولة المصدر، زيوت أُنهكت من كثرة الاستعمال، أدوات متسخة، مياه مشكوك في جودتها، وأطعمة تُترك لساعات تحت حرارة الصيف اللاهبة، بينما يتهافت الزبائن بحثاً عن وجبة سريعة، غير مدركين أنهم قد يشترون بأموالهم طريقاً مباشراً إلى أقسام المستعجلات، وربما إلى ما هو أسوأ.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين هي أجهزة المراقبة؟ وأين مصالح حفظ الصحة؟ وكيف تنتشر هذه العربات في الشوارع والأحياء دون متابعة حقيقية أو مراقبة منتظمة؟ إن الحملات الموسمية التي تنطلق بعد كل كارثة لم تعد تقنع أحداً، لأنها تأتي دائماً بعد وقوع الضحايا، وكأن وظيفة الرقابة ليست الوقاية، بل توثيق حجم الخسائر.
أما جمعيات حماية المستهلك، فقد أصبحت في كثير من الأحيان تكتفي بإصدار البيانات وإطلاق التحذيرات بعد فوات الأوان، بينما يظل المواطن وحيداً في مواجهة سوق عشوائية لا تعترف بالقانون ولا بمعايير السلامة. إن حماية المستهلك لا تكون بالخطب والبلاغات، وإنما بالمرافعة الجادة، والضغط من أجل تشديد المراقبة، وكشف المخالفين، والدفاع الحقيقي عن حق الناس في غذاء آمن.
لقد آن الأوان للتعامل مع جرائم التسمم الغذائي بمنطق مختلف. فكل من يثبت تورطه في تقديم أغذية فاسدة أو منتهية الصلاحية يجب أن يواجه عقوبات صارمة تتناسب مع حجم الخطر الذي يشكله على المجتمع. كما أن كل مسؤول يتقاعس عن أداء واجبه الرقابي ينبغي أن يخضع بدوره للمساءلة، لأن الإهمال الإداري حين يهدد الأرواح لا يقل خطورة عن الفعل الإجرامي نفسه.
إن الحق في الغذاء الآمن ليس امتيازاً، بل حق دستوري وإنساني لا يقبل المساومة. وحماية أرواح المواطنين تبدأ من الرقابة الصارمة، وتطبيق القانون دون انتقائية، وتجفيف منابع الفوضى التي حولت بعض الأرصفة الى مطابخ مفتوحة للموت
فلا يعقل ان يبقى الفقير مضطرا للاختبار بين الجوع او وجبة قد تتحول الى اخر ما يتذوقه في حياته.