ريحانة برس – سيداتي بيدا
حين تتحول الشوارع إلى ساحات للمواجهة، وتتصاعد ألسنة اللهب وسط الممتلكات المحطمة، تجد الدولة نفسها أمام اختبار يتجاوز قدرتها على فرض النظام؛ اختبار يكشف حقيقة التوازن بين سلطة القانون وحرمة الإنسان. وفي فرنسا، التي طالما قدمت نفسها نموذجاً للديمقراطية والحريات، يعود السؤال الصعب إلى الواجهة: هل تُقاس هيبة الدولة بقدرتها على إخضاع الشارع، أم بنجاحها في حماية الأرواح دون المساس بالحقوق؟
لا يمكن لأي خطاب حقوقي جاد أن يمنح غطاءً للعنف والتخريب والنهب والاعتداء على الأشخاص. فالغضب، مهما كانت أسبابه، لا يتحول إلى رخصة مفتوحة لانتهاك القانون، كما أن التظاهر السلمي لا يبرر إحراق الممتلكات أو ترهيب المواطنين. لكن إدانة الفوضى لا تعني منح الأجهزة الأمنية شيكاً على بياض، ولا تجعل استعمال القوة بمنأى عن المساءلة والمحاسبة.
هنا تبدأ المحاسبة الحقيقية، وهنا تحديداً تُختبر مصداقية الشعارات الديمقراطية.
فالدولة القوية ليست تلك التي تستعرض ترسانتها الأمنية كلما انفجر التوتر في الشارع، بل التي تستطيع احتواء الأزمات بأقل الخسائر، والتمييز بين مرتكبي أعمال العنف والمحتجين السلميين، وضمان أن تظل تدخلاتها خاضعة للقانون ومبدأ التناسب. أما حين تتراجع الضمانات الحقوقية تحت ضغط الفوضى، فإن استعادة الهدوء قد تتحول إلى انتصار مؤقت يخفي وراءه أزمة أعمق في الثقة بين المؤسسات والمجتمع.
وفرنسا ليست فوق النقد، كما أن تاريخها الديمقراطي لا يمنحها حصانة من المساءلة. فاحترام حقوق الإنسان لا يُقاس بما تتضمنه النصوص القانونية وحدها، بل بكيفية تطبيقها عندما تحتدم المواجهات، وتتصاعد الاحتجاجات، وتصبح قرارات السلطات الأمنية موضع تدقيق من القضاء والإعلام والرأي العام.
وفي المقابل، فإن اختزال كل تدخل أمني في القمع، أو اعتبار كل مواجهة دليلاً على انهيار الديمقراطية، لا يقل تضليلاً عن تبرير التجاوزات باسم استعادة النظام. المطلوب هو تحقيق مستقل في الوقائع، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة كل من تثبت مخالفته للقانون، أياً كان موقعه أو صفته.
أما تحويل أعداد الضحايا إلى أداة للمزايدة السياسية، دون توثيق دقيق للوفيات والإصابات وظروف وقوعها، فلا يخدم الحقيقة ولا ينصف المتضررين.
الخلاصة أن هيبة الدولة لا تصان بالخوف، وحقوق الإنسان لا تحمى بتبرير التخريب. وبين شارع يرفض الانفلات وسلطة مطالبة بضبط النفس، يبقى المعيار الحاسم واحداً
قانون يُطبَّق على الجميع، وقوة تمارَس ضمن حدود المشروعية، وأرواح لا تتحول إلى أرقام في معركة إثبات النفوذ .
