ريحانة برس – عمر أوزياد
تابعنا باهتمام ما تضمنه البرنامج الحكومي والتصريحات المقدمة بشأنه غير أن سؤالا جوهريا يفرض نفسه بقوة أين يقع المغرب العميق من هذه الرؤية؟ وأين هي الحلول العملية لمعاناة ملايين المواطنين الذين ما زالوا يواجهون العزلة والتهميش وضعف البنيات التحتية؟
حين نتحدث عن المغرب العميق فنحن لا نتحدث عن مناطق هامشية يمكن تأجيل مطالبها إلى أجل غير مسمى بل عن قرى وجبال ومداشر يسكنها مواطنون لهم الحقوق نفسها التي يتمتع بها سكان المدن الكبرى مواطنون يساهمون في الاقتصاد الوطني ويمدون الأسواق بالمنتجات الفلاحية والمواشي لكنهم ما زالوا في كثير من المناطق يصارعون من أجل طريق صالحة ومدرسة قريبة ومركز صحي قادر على تقديم الحد الأدنى من الخدمات.
وإذا كانت فاطمة الزهراء المنصوري باعتبارها من أبرز قيادات حزب الأصالة والمعاصرة تمثل جزءا من الأغلبية الحكومية فإن من حق المواطنين أن يسألوا عن مدى حضور هذه القضايا في التصور الحكومي خصوصا أن الحزب حقق حضوراً انتخابيا مهما في عدد من المناطق القروية فهل تحولت هذه الأصوات إلى التزامات تنموية واضحة أم أن المغرب العميق لا يزال حاضراً بقوة في صناديق الاقتراع وغائبا عندما يتعلق الأمر بتحديد الأولويات؟
طرق تشيد بميزانيات كبيرة وتجرفها السيول في ساعات!
في الوقت الذي تشهد فيه مناطق من المغرب تساقطات مطرية رعدية قوية تتجدد معاناة الساكنة القروية مع هشاشة الطرق والمسالك وتتضرر بعض المحاصيل الفلاحية وتسجل خسائر في مواشٍ يملكها كسابون بسطاء لا تشكل هذه الثروة بالنسبة إليهم مجرد مصدر دخل عابر بل تمثل حصيلة سنوات من العمل ومصدر عيش أسر بأكملها.
لكن الأخطر من ذلك هو ما تثيره السيول من أسئلة حول جودة إنجاز مشاريع البنية التحتية بعدما تتحول بعض الطرق التي أنجزت أو أعيد تأهيلها إلى مسالك متضررة أو تجرف المياه أجزاء منها خلال فترات وجيزة
فهل يُعقل أن ترصد اعتمادات مالية مهمة لإنجاز الطرق، ثم تصبح هذه المشاريع عرضة للتلف بمجرد هطول الأمطار؟
إن الأمر لا يتعلق فقط بقوة التساقطات بل يفرض فتح نقاش جدي حول جودة الدراسات التقنية، ومدى احترام معايير البناء وفعالية قنوات تصريف المياه ومراقبة الأشغال، ومسؤولية الجهات المشرفة على التنفيذ والتتبع
فالمواطن الذي ينتظر سنوات حتى تصل الطريق إلى قريته لا يمكن أن يطلب منه الانتظار سنوات أخرى لإصلاحها والمال العام ليس رقما في وثيقة مالية بل هو حق للمواطنين ومن واجب المؤسسات ضمان أن تتحول الميزانيات إلى مشاريع قادرة على الصمود والاستمرار.
إن المغرب العميق لا يحتاج إلى طرق تدشن أمام الكاميرات ثم تختبرها أولى السيول بل يحتاج إلى بنية تحتية تنجز وفق دراسات دقيقة تأخذ بعين الاعتبار طبيعة التضاريس، ومجاري الأودية والتغيرات المناخية وخصوصية المناطق الجبلية
لماذا لا تتحول الأودية من مصدر للخطر إلى فرصة للتنمية؟
بدلا من الاكتفاء بإصلاح الأضرار بعد كل موسم أمطار، أصبح من الضروري التفكير في حلول استباقية ومستدامة من قبيل إنجاز منشآت الحماية من الفيضانات، والسدود التلية حيث تسمح الدراسات التقنية والبيئية بذلك وتحسين تصريف المياه وحماية الطرق والمنشآت من الانجراف.
إن المقاربة التي تنتظر وقوع الكارثة ثم تتحرك لإصلاح ما دمرته المياه تطرح سؤالا حقيقيا حول نجاعة التخطيط العمومي. فالتنمية ليست مجرد إنجاز مشاريع متفرقة وإنما هي القدرة على استباق المخاطر وحماية الاستثمارات العمومية وضمان استمرارية الخدمات الأساسية.
وفي مناطق مثل إقليم أزيلال حيث تفرض التضاريس الجبلية تحديات كبيرة على التنقل والولوج إلى الخدمات، ينبغي أن تكون الحلول أكثر ابتكارا وملاءمة للواقع المحلي، لا أن تنسخ المشاريع نفسها دون مراعاة خصوصيات كل منطقة
خمس سنوات في قطاع التعمير.. وماذا عن المواطن القروي؟
ومن الملفات التي تستحق أن تُطرح بقوة ملف تبسيط مساطر البناء في العالم القروي، الذي ما زال يشكل مصدر معاناة لعدد من المواطنين خصوصاً في المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية
لقد سبق لفاطمة الزهراء المنصوري أن تولت حقيبة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة وهي تجربة تضع أمامها مسؤولية سياسية تقتضي مناقشة ما تحقق فعليا في مجال تسهيل الولوج إلى السكن والتعمير وما بقي عالقا من إشكالات تؤثر على حياة المواطنين
فليس من المقبول أن يجد المواطن القروي نفسه أمام مساطر معقدة أو عراقيل إدارية تعطل بناء مسكن يحمي أسرته في الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون السياسات العمومية أداة لتيسير الحياة لا لإضافة أعباء جديدة إلى الفئات محدودة الدخل.
إن المطلوب ليس تجاوز القانون وإنما تبسيط المساطر وتوضيح الشروط وتقريب الإدارة من المواطنين وإيجاد حلول قانونية وعملية تراعي خصوصية العالم القروي دون الإضرار بالتخطيط العمراني أو السلامة أو المصلحة العامة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا لا يحظى هذا الملف بما يستحقه من أولوية في البرامج الحكومية رغم ارتباطه المباشر بالاستقرار الاجتماعي وكرامة الأسر القروية؟
حقوق المرأة.. أين المرأة القروية والجبلية من الوعود؟
عندما يُطرح موضوع حقوق المرأة وتمكينها لا ينبغي أن ينحصر النقاش في فرص العمل والمشاركة السياسية داخل المدن الكبرى بل يجب أن يمتد إلى المرأة التي تعيش في أعالي الجبال والمناطق النائية حيث قد تتحول أبسط الحقوق إلى معركة يومية.
ماذا عن المرأة الحامل التي تضطر إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى أقرب مؤسسة صحية؟ وماذا عن الأمهات اللواتي يعانين من غياب وسائل النقل أو صعوبة التنقل أثناء الحالات الاستعجالية؟ وماذا عن الفتيات اللواتي يواجهن صعوبات في متابعة الدراسة بسبب بُعد المؤسسات التعليمية وضعف النقل المدرسي؟
إن الحديث عن حقوق المرأة يظل ناقصا ما لم تُترجم الشعارات إلى خدمات ملموسة تشمل النقل الصحي وتقريب المستوصفات والمراكز الصحية وتحسين ظروف الولادة الآمنة، وتوفير النقل المدرسي ودعم النساء القرويات اللواتي يساهمن في الاقتصاد المحلي رغم محدودية الإمكانات.
فأي معنى للحديث عن تمكين المرأة إذا كانت المرأة في الجبل ما تزال مضطرة إلى خوض معركة يومية من أجل العلاج والتنقل وتعليم أبنائها؟
إن العدالة المجالية ليست ترفا سياسيا بل شرط أساسي لتحقيق المساواة الفعلية بين النساء والرجال وبين سكان المدن وسكان القرى.
هل يُختزل المغرب العميق في يوم الانتخابات؟
المؤلم أن كثيرا من هذه الإشكالات ليست جديدة بل هي مطالب يعرفها المسؤولون والمنتخبون وتتكرر في احتجاجات الساكنة وشكاوى الفاعلين المحليين ونداءات المواطنين عبر وسائل الإعلام
وهنا يبرز سؤال سياسي مشروع: هل وصلت أصوات هذه المناطق إلى طاولة إعداد البرنامج الحكومي؟ وهل جرى الاستماع إلى المنتخبين والفاعلين الذين يعيشون تفاصيل هذه المعاناة؟ وإذا كانت هذه المطالب معروفة فما الذي يمنع تحويلها إلى التزامات محددة بآجال زمنية وميزانيات واضحة؟
إن مسؤولية تمثيل المناطق القروية لا تنتهي بمجرد الفوز بالمقاعد البرلمانية كما أن المسؤولية الحكومية لا تقاس فقط بعدد المشاريع المعلن عنها، بل بمدى انعكاسها على الحياة اليومية للمواطنين.
فالمواطن في أزيلال وأيت بوكماز وزاوية أحنصال وأنركي وغيرها من المناطق الجبلية لا يريد امتيازات استثنائية وإنما يطالب بحقوق أساسية طريق لا تجرفها السيول بسهولة، ومؤسسة تعليمية يمكن الوصول إليها ومرفق صحي قريب وشبكة نقل تحفظ كرامة أبنائه وفرص تنمية تتيح له العيش في منطقته دون أن يضطر إلى الهجرة بحثا عن أبسط شروط الحياة.
المغرب ليس الدار البيضاء والرباط وحدهما وليس الأحياء الحديثة والمشاريع الكبرى والمراكز الاقتصادية فقط المغرب أيضاً هو القرى التي تنتظر طريقا والدواوير التي تنقطع عنها حركة السير مع كل تساقطات قوية والأسر التي تخشى على مواشيها ومحاصيلها والنساء اللواتي يواجهن صعوبة الوصول إلى العلاج والتلاميذ الذين يقطعون مسافات طويلة من أجل مقعد دراسي
إن استمرار هذه الفوارق يطرح سؤالا جوهريا حول معنى التنمية وتوزيع ثمارها فلا يمكن الحديث عن تنمية وطنية شاملة بينما تظل بعض المناطق مطالبة في كل مرة بإثبات أنها تستحق نصيبها من المشاريع والخدمات الأساسية
وإذا كان المغرب العميق يساهم في تزويد المدن بالمنتجات الفلاحية والمواشي واليد العاملة فمن حقه أن يستفيد بدوره من الاستثمار العمومي ومن فرص الشغل ومن الخدمات الصحية والتعليمية ومن بنية تحتية تحفظ كرامة سكانه وتضمن استقرارهم
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يشعر المواطن القروي بأن صوته مطلوب يوم الانتخابات بينما تظل معاناته خارج حسابات السياسات العمومية.
كلمة أخيرة التنمية ليست خطابات بل التزامات
إن ما ننتظره من الحكومة ومن مختلف مكوناتها، ليس المزيد من الوعود العامة بل رؤية واضحة للمغرب العميق تتضمن تشخيصا دقيقا لحاجياته وبرامج ممولة وآجالا للتنفيذ وآليات للمراقبة والمحاسبة.
نريد طرقا تنجز وفق معايير الجودة ومشاريع تحترم طبيعة المناطق الجبلية وحلولا عملية للفيضانات وتبسيطا للمساطر الإدارية وخدمات صحية وتعليمية تصل إلى المواطنين حيثما كانوا.
كما نريد أن تكون للمرأة القروية مكانة فعلية في السياسات الحكومية وأن تتحول العدالة المجالية من شعار متداول إلى معيار يُقاس به نجاح البرامج العمومية.
أما فاطمة الزهراء المنصوري وباقي مكونات الحكومة فمن حق الرأي العام أن يسائلها عن مدى حضور هذه الملفات في الرؤية الحكومية وعن الإجراءات العملية التي ستتخذ لمعالجة الاختلالات المتراكمة في العالم القروي.
فالتنمية الحقيقية لا تبدأ من المدن الكبرى وحدها ولا تكتمل بتدشين المشاريع في المراكز الحضرية بل تبدأ حين يشعر المواطن في أبعد دوار بأن الدولة حاضرة إلى جانبه وأن كرامته وحقوقه لا تقل أهمية عن حقوق أي مواطن آخر
المغرب العميق لا يريد أن يبقى خزانا للأصوات الانتخابية والمنتجات الفلاحية واليد العاملة إنه يريد أن يكون شريكا كاملا في التنمية لا مجرد متفرج على ثمارها وهي تُوزّع بعيدا عنه.
