قانون المحاماة بالمغرب: هندسة الضبط وإغلاق ثغور الدفاع قبل مرحلة “الغموض”
ريحانة برس / عبد الوفي العلام
لم يكن إخضاع مهنة المحاماة وليد لحظة نشر قانونها الجديد في الجريدة الرسمية، بل يمثل المحطة الأخيرة في مسار متدرج لتفكيك التوازن الهش داخل منظومة العدالة المغربية؛ مسار يعيد ترتيب موازين القوة بين سلطة الاتهام وسلطة الدفاع لصالح الضبط المؤسساتي.
بدأت أولى ملامح هذا التغيير عبر فصل النيابة العامة عن وزارة العدل ونقل رئاستها إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض. ورغم أن ظاهر الخطوة عكس شعار استقلالية القضاء، إلا أن واقع التطبيق أخرج السياسة الجنائية من مجال المساءلة السياسية والبرلمانية المباشرة، لنكون أمام سلطة اتهام واسعة النفوذ في المتابعة والاعتقال دون حكامة ديمقراطية موازية. وفي مقابل تقوية طرف الاتهام، جرى إضعاف أركان الدفاع بتوسيع الرقابة الإدارية والقضائية والتأديبية على المحامين.
وقد شكلت مباراة الأهلية لمزاولة المهنة لسنة 2022 نقطة مفصلية أظهرت قدرة السلطة التنفيذية على التحكم في “بوابة الدخول” إلى المحاماة وسط تساؤلات عريضة حول الشفافية وتكافؤ الفرص. ولم تكن تلك المحطة سوى تمهيد للخطوة التالية، وهي إعادة تشكيل المهنة من الداخل عبر نص قانوني يقلص المناعة المهنية، ويسعى إلى إنتاج نموذج “المحامي التقني” الذي يتحرك في حدود الملف دون الجرأة على إثارة الخروقات الحقوقية أو تحويل قضايا الرأي العام إلى محطات للمساءلة.
تتجلى الأبعاد السياسية للنص في الهندسة الإجرائية التي رافقت إقراره؛ حيث جرى تعتيم الرقابة الدستورية عبر إحالة النص بطريقة شابتها نواقص إجرائية، ليعقب قرار “تعذر البت” إصدار سريع للظهير الشريف ونشر خاطف بالقانون في الجريدة الرسمية.
هذا التسريع الملاحظ في تمرير قانون المحاماة المقيد—مقابل إرجاء وتأخير مدونة الأسرة تفادياً للكلفة الانتخابية—يكشف عن أولويات واضحة.
تأجيل ما قد يربك المشهد انتخابياً، وتسريع ما يحصن أجهزة الضبط والرقابة.
وتستعد البلاد لدخول مرحلة من التحولات والترتيبات السياسية والاقتصادية المعقدة، وفي أزمنة الغموض تتجه الأنظمة إلى تحصين أجهزة الضبط وتقليل احتمالات المفاجأة. وبما أن المحاماة هي آخر وسيط مؤسسي يملك الصفة القانونية للولوج إلى مخافر الشرطة والمحاكم والسجون لمواجهة الرواية الرسمية، فإن تقييد استقلاليتها يهدف بالأساس إلى إغلاق آخر الثغور التي قد يتسرب منها الاعتراض الحقوقي إلى داخل المنظومة القضائية.