علامة النصر، متى يصبح انتصار شبابنا الحقيقي أن ينجحوا في أوطانهم، لا أن ينجوا بأعجوبة منها؟

ريحانة برس – عبد الفتاح الحيداوي

ثمة فرق لا يغتفر بين أن تنجو وأن تنتصر، وثمة هاوية بين الاثنين لا يعبرها إلا من خرج للتو من فم الموت. تلك الفتاة التي رفعت أصابعها في وجه الكاميرات، خارجة من بحرٍ ما زال يلفظ الجثث على مهل، لم تكن تحتفل. كانت تصرخ بلغة لا تحتاج إلى صوت: (ها أنا، بقيت حية، رغم كل شيء.)

وهذا وحده كافٍ ليدمي القلب، أن يصبح مجرد البقاء على قيد الحياة إنجازا يستحق علامة النصر.

الهجرة، في جوهرها، ليست رحلة، بل نزيف بطيء يسيل من جسد وطن لم يعد يتسع لأبنائه. حين يقرر رجل أن يسلم جسده لموج لا يعرف الرحمة، وحين تحمل امرأة طفلها الرضيع إلى قارب مطاطي يترنح كخيبة متأرجحة، فإن أحدا منهم لا يراهن على الماء. إنهم يهربون من يابسة صارت أثقل من البحر نفسه، من يأس نبت في الصدور قبل أن ينبت الملح على الجلد.

في الأيام الأخيرة، عادت السواحل المحاذية لسبتة لتكتب فصلا جديدا من هذا النزيف مئات حاولوا، بعضهم بلغ اليابسة منهكا كمن نجا من حريق، وبعضهم ابتلعه البحر دون أن يترك حتى الوقت الكافي لصرخة. انتشلت فرق الإنقاذ جثامين كانت، قبل ساعات فقط، تحمل أسماء، وضحكات، وأمهات يتصفحن الهاتف كل دقيقة انتظارا لرسالة لن تصل أبدا.

كم يلزم من الأجساد التي يرميها الموج على الرمال حتى يتحول الصمت الرسمي إلى خجل؟ كم أما ثكلى يجب أن تلبس السواد حتى تكف المأساة عن أن تكون خبرا عابرا في نشرة مسائية؟ وكم طفلا يجب أن يذوب في زرقة لا قاع لها حتى يفهم أصحاب القرار أن الوطن ليس خطوط حدود على خريطة، بل هو ذلك الحضن الذي إن ضاق، هرب منه حتى الأطفال إلى الغرق؟

القاتل الحقيقي هنا ليس الماء. القاتل هو ذلك اليأس الذي يتسلل كالسوس إلى العظام، وذلك الأفق الذي يغلق شيئا فشيئا حتى يصير الغد كلمة بلا معنى. حين تصبح المخاطرة بالموت أرحم من مواصلة العيش، يتوقف السؤال المعتاد (لماذا يهاجرون؟) ليحل محله سؤال أشد قسوة ما الذي يجعل شابا يرى في فكي الموج رحمة أكبر من رحمة وطنه؟

تلك اليد التي ارتفعت من قلب الموجة لم تكن ترفع علامة النصر على الهجرة، بل على الخوف. على المستحيل. على كل الأبواب الموصدة التي حاولت أن تقول لها (لا مكان لك هنا). كانت تلك الإشارة أبلغ من كل الخطب السياسية، وأقسى من كل التقارير الرسمية احتجاج صامت يكتبه جسد مبتل بماء البحر ودموع لا أحد يراها.

لكن خلف تلك الابتسامة المنهكة، يكمن سؤال يخنق الحلق كيف انحدر الحال بشباب أوطاننا حتى صار مجرد النجاة من الغرق يعد انتصارا؟ متى تحولت الحياة نفسها إلى معجزة يحتفى بها بدل أن تكون حقا بديهيا؟

لا تُقاس الأوطان بعدد الجدران التي تقام لمنع الرحيل، بل بعدد الأسباب التي تجعل أبناءها يختارون البقاء طواعية. ولا تصان كرامة الإنسان بالخطب والمواعظ، بل بالعدالة حين تكون فعلا ، وبفرصة حقيقية للعمل، وبتعليم يفتح أبوابا بدل أن يوصدها، وبأذن تصغي لألم الناس قبل أن يتحول ذلك الألم إلى موجات بشرية تقصد المجهول.

البحر شاهد لا يكذب. كل يوم يعيد إلينا الحقيقة التي نحاول أن ندفنها مع الغرقى أن خلف كل جثة تنتشلها فرق الغوص، أسرة تتصدع، وأمََّا ذبلت عيناها من طول الانتظار على عتبة الباب، وأباََ دفن نصف عمره في صمت لا يشبه إلا القبور، وطفلا لم يكن يطلب من الدنيا سوى غد يليق بإنسانيته البسيطة.

أما تلك الفتاة، بعلامة نصرها المبللة، فقد اختصرت في لحظة واحدة كل هذا الألم الجماعي. لم تكن ترفع أصابعها في وجه البحر، بل في وجه واقعٍ عجز أن يمنحها سببا واحدا وجيها للبقاء. صورتها ستبقى معلقة كسؤال لا يموت أمام كل من يملك قرارا أو سلطة أو ضميرا.

عبد الوفي العلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *