واقع الشباب المغربي بين أعطاب التعليم وأزمة الثقة السياسية

ريحانة برس/ عبد الوفي العلام

لم تعد امتحانات الباكالوريا بالمغرب مجرد محطة تقييمية عابرة، بل غدت مرآة مكبرة تعكس الاختلالات البنيوية العميقة التي يعيشها المجتمع.

عبد الوفي العلام
عبد الوفي العلام مدير موقع ريحانة برس 

فرغم النقاشات الموسمية المتكررة حول صرامة المراقبة ونسب النجاح، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً “ماذا بعد النجاح؟ إن هذا التقرير يسلط الضوء على المسار الحرِج للشباب المغربي، من قاعات الامتحانات إلى طوابير الانتظار، راصداً الأعطاب التي تحرم جيلاً كاملاً من أفق الكرامة وتكافؤ الفرص.

1. المنظومة التعليمية، تكريس اللامساواة وأزمة الرؤية

تتجاوز أزمة التعليم في المغرب الشق التقني المرتبط بالمناهج والميزانيات، لتكشف عن غياب رؤية وإرادة حقيقية للإصلاح. وتتجلى أبرز ملامح هذه الأزمة في:

غياب الأثر الملموس، والمناهج تتغير دورياً دون تقييم حقيقي، مما يحول المؤسسات التعليمية إلى فضاءات للاكتظاظ، والشهادات إلى أوراق تفتقر للقيمة المضافة.

فقد ساهمت خصخصة التعليم العالي في التخصصات الحيوية (كالطب والهندسة) في شرعنة اللامساواة، حيث بات ولوج هذه المجالات مرهوناً بالقدرة المالية لا بالكفاءة العلمية، مما يقصي المتفوقين من أبناء الفئات الهشة.

2. سوق الشغل، سيادة المحسوبية وتوزيع الفرص بالولاء

يواجه آلاف الخريجين سنوياً واقع بطالة مستفحلة، لا تخضع لقوانين الكفاءة والاستحقاق، بل لمنطق “المحسوبية والزبونية”. وتتوزع الفرص في كثير من الأحيان بناءً على:

تغليب منطق “الولاءات” والقرابة على حساب المؤهلات المعرفية.

الفرز المصلحي أو الأمني الذي يجهض مبدأ الاستحقاق.

هذا التكرار السنوي للسيناريو ذاته عمق لدى الشباب شعوراً باللاجدوى، وتحول تدريجياً إلى يأس صامت يأكل الثقة في المؤسسات.

3. العزوف السياسي، وأزمة ثقة وعمليات استغلال موسمي

إن مقاطعة الشباب للمحطات الانتخابية ليست نزوة عابرة، بل موقف سياسي واعٍ يعبر عن أزمة ثقة عميقة، فلا أثر للأصوات في السياسات العمومية، ولا انعكاس للوعود على أرض الواقع. بالمقابل، يرصد التقرير استغلالاً سياسياً للشباب خلال المواسم الانتخابية عبر،

تقديم وعود تشغيل زائفة والتلاعب بورقة “سن التوظيف” لاستمالة الأصوات.

واختزال الشباب في “كتلة انتخابية احتياطية” يتم تهميشها بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع، واعتماد مقاربات أمنية أو تواصلية بدلاً من الإشراك الحقيقي في صنع القرار.

4. التعاطي الأمني مع المطالب الاجتماعية

بدل فتح قنوات الحوار السلمي مع الحركات الشبابية المطالبة بالحقوق الأساسية (كالتعليم والصحة والكرامة)، واجهت السلطات مطالب أجيال الحراك (سواء حراك الريف أو حراك جيل Z) بالمقاربة الأمنية، والقمع، والأحكام السجنية القاسية. هذا التعاطي رسخ انطباعاً خطيراً مفاده أن المطالبة السلمية بالحقوق باتت تعامَل كـ “جريمة”، مما يستوجب –حقوقياً وإنسانياً– إطلاق سراح هؤلاء المعتقلين وإغلاق هذه الصفحة السوداء.

 

إن تشخيص أعطاب التعليم والبطالة وغياب تكافؤ الفرص في المغرب ليس مجرد شكوى، بل هو دفاع مشروع عن حق جيل كامل في العدالة والكرامة. وللخروج من هذا النفق، فإن معركة التغيير تتطلب إرادة جماعية حقيقية تقطع مع أنصاف الحلول، لبناء مغرب بديل، ومنظومة تعليمية تُخرّج أحراراً، ومؤسسات توظف بناءً على الكفاءة، وسياسات عمومية تصغي للشباب وتثق في طاقتهم لبناء مغرب الحرية والعدالة.

عبد الوفي العلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *