نواكشوط تحترق تحت الظلام.. حرائق «صوملك» تفضح عجز المنظومة والتدخل المغربي يكشف حجم الفجوة

عبد الوفي العلام · أغسطس 25, 2026

ريحانة برس/ سيداتي بيدا

لم يكن الظلام الذي ابتلع أجزاء من نواكشوط مجرد انقطاع كهربائي عابر، ولم تكن النيران التي اندلعت في محطات حيوية مجرد حادث تقني يمكن دفنه في خانة الأعطال اليومية.

 ما حدث كان صفعة كهربائية مدوية كشفت، دون مساحيق ولا لغة خشبية، هشاشة منظومة يفترض أنها تمثل شريان الحياة للعاصمة الموريتانية.

حرائق متزامنة تضرب محطتين رئيسيتين للتوزيع، وشبكة تدخل في حالة ارتباك، وعاصمة تدفع ثمن الخلل في خدمة لا تحتمل الارتجال. هنا تحديداً يصبح السؤال أكثر قسوة من الحريق نفسه

كيف يمكن لبنية كهربائية استراتيجية أن تصل إلى هذه الدرجة من الهشاشة؟

المواطن لا يعنيه كثيراً إن كان سبب الأزمة عطلاً فنياً أو حملاً زائداً أو خللاً في التجهيزات؛ ما يعنيه هو أن التيار انقطع، وأن منظومة يفترض أن تكون جاهزة للطوارئ وجدت نفسها أمام اختبار كشف حدود قدرتها على الصمود.

والأخطر أن الكارثة لم تتوقف عند حدود انطفاء المصابيح. الكهرباء تعني المستشفيات، والمياه، والاتصالات، والمرافق العمومية، والمصالح الاقتصادية، وأمن المدينة.

وعندما تتعرض هذه الحلقة الأساسية للشلل، فإن الدولة بأجهزتها المختلفة تصبح أمام امتحان حقيقي في إدارة الأزمات.

في خضم هذا الارتباك، جاء التدخل المغربي عبر فريق فني متخصص ومعدات للمساعدة في إعادة تأهيل الشبكة.

وهو تدخل يعكس، من جهة، منطق التضامن والتعاون بين البلدين، لكنه يطرح من جهة أخرى سؤالاً لا يمكن القفز فوقه لماذا تحتاج منظومة استراتيجية إلى الاستعانة بخبرة خارجية عندما تتعرض بنيتها الحيوية لضربة مفاجئة؟

المطلوب هنا ليس جلد المؤسسات، وإنما محاسبة الخلل قبل أن يتحول إلى عادة. فالصمت أمام الأعطاب المتكررة ليس حكمة، والتعامل مع البنية التحتية بمنطق رد الفعل بعد وقوع الكارثة ليس سياسة ناجعة، وترميم ما احترق لا يعفي من البحث عما سمح للنيران بالوصول إليه أصلاً.

إن ما حدث يجب أن يفتح تحقيقاً فنياً ومؤسساتياً صارماً، بعيداً عن المجاملات، لتحديد المسؤوليات وفحص شروط السلامة والصيانة وجودة التجهيزات وكفاءة أنظمة الحماية والاستجابة. فالمنشآت الحيوية لا تدار بمنطق نتصرف عندما تقع الكارثة وإنما بمنطق نمنع الكارثة قبل وقوعها.

نواكشوط تحتاج اليوم إلى أكثر من إعادة التيار. تحتاج إلى إعادة الثقة في منظومتها الكهربائية.

أما الدرس الأقسى، فهو أن النيران التي اشتعلت في محطات «صوملك» لم تحرق الأسلاك والمعدات فقط، بل أحرقت أيضاً كل محاولة لتقديم الهشاشة باعتبارها مجرد صدفة تقنية.

فالظلام قد ينتهي بضغطة زر، لكن كشف الحقيقة لا ينبغي أن ينتهي بإعادة الكهرباء.

عبد الوفي العلام