0

 عبدالله العبادي – ريحانة برس

نكتة سوفياتية قديمة طلب فيها أحد الصحفيين من زعيم الحزب الشيوعي تقييم اقتصاد البلاد، فرد عليه “جيد”، ناشد الصحفي القائد بتفاصيل أكثر فأجاب الأمين العام: “في هذه الحالة، ليس جيدًا”. يمكن قول نفس الشيء اليوم في قراءتنا للمشهد العام بالشرق الأوسط، فحرب غزة لا تخص فقط الغزاويين، رغم أنهم الأكثر ضررا من وبالها، لكن تهم كل مناطق الشرق الأوسط على المدى المتوسط والبعيد. 

لنحاول فهم القصة جيدا، في وقت يكثر فيه الحديث عن المخطئ المباشر، في ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من إبادة وتصفية، سيقولون إسرائيل وآخرون يرون الغرب وأمريكا، وآخرون يتهمون إيران وحماس وآخرون يرون أن السلطة الفلسطينية فشلت في حل الملف الفلسطيني. لكن وحده المواطن الفلسطيني من يدفع الفاتورة غاليا.

تبدأ القصة مع تيودور هرتزل 1896 مرورا بوعد بلفور 1917، حيث أعطى من لا يملك لمن لا يستحق، ثم الثورة العربية 1936، خطة التقسيم في الأمم المتحدة 1947، النكبة وحرب 1948، حرب النكسة 1967، لنصل لسنة 1991 وأعتبرها السنة المفصلية في هذا الصراع، ودخول الولايات المتحدة بصيغة مباشرة في القضية الفلسطينية، تزامنت مع سقوط الاتحاد السوفياتي ومحاولة أمريكا تشكيل النظام العالمي الجديد على مقاسها.

هنا ظهرت الولايات المتحدة كقوة خارجية بلا منازع في شؤون الشرق الأوسط، وبدأت في محاولة بناء نظام إقليمي يخدم مصالحها على الأمد البعيد. تلتها حرب الخليج، وإقصاء العراق من معادلات ميزان القوى الإقليمية، ثم مؤتمر مدريد للسلام الذي اقترحه جورج بوش الأب، وربما كانت اللعنة التي أصابت المنطقة بسبب العيوب المصيرية التي احتوتها مدريد، وغياب إيران عن المؤتمر سيدفعها لتشكيل جناح الرفض والتواصل مع بعض الفصائل الفلسطينية منها حماس والجهاد الإسلامي.

إيران اعتبرت نفسها قوة إقليمية، وكيف لا تحجز مقعدا على طاولة المفاوضات بمدريد، لأنه حسب مراقبين فإن مؤتمر السلام اعتبر أنه اللحظة الحاسمة في تشكيل نظام الشرق الأوسط الجديد. الأمر الذي دفع طهران أن تثبت للولايات المتحدة والغرب أنها تستطيع عرقلة جهودهم لإنشاء نظام إقليمي جديد إذا لم تؤخذ مصالحها في الحسبان.

وهذا ما حصل بالفعل، تعثر مفاوضات اتفاقات أوسلو، تدهور الوضع الداخلي بفلسطين، والابتعاد عن فكرة الحل السلمي للقضية شيئا فشيئا، بسبب تقاطع المصالح بين الدول، حيث تدهورت العلاقة بين أمريكا وإيران في حين تقوت العلاقة بين حماس وإيران. كما أن أحداث سبتمبر 2011 وسقوط بغداد عام 2003، مهدا لتحول جدري في قضايا الشرق الأوسط الجديد.

أخطاء بالجملة وقصور في السياسات الأمريكية جعلت المنطقة مستنقعا للإرهاب ومهدت للتدخل الإيراني بقوة في دول عدة، وبعثرت أوراق الحلول السلمية، كما عملت ايضا الولايات المتحدة منع التقارب الصيني الخليجي، ومحاولة ردع أي محاولة روسية للتدخل بالمنطقة، إنه بوضوح، فشل الأمريكيين في إحلال السلام أينما حلوا.

 في عصر أصبح العالم بحاجة لمخططات جديدة، وقواعد سياسية مختلفة، وتعددية قطبية، تبقى أمريكا عالقة في رؤية قديمة لدورها العالمي، و من الواضح أنهم أخطأوا كثيرا في قراءة الاتجاه الذي كان يتجه إليه الشرق الأوسط منذ عقود، لكنهم يصرون على مواصلة نفس العمل، مهما كلفهم الأمر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.