معيار الحصيلة، هل يصنع الشارع ما عجزت عنه المؤسسات؟

 ريحانة برس/ عبد الوفي العلام

إذا كان ثمة دليل عملي ملموس على أن الفعل السياسي من خارج القنوات الرسمية المغلقة قائلٌ بالتأثير في موازين القوى، فإن محطة “حراك 20 فبراير” عام 2011 تظل الشاهد الأبرز على ذلك.

وما انتزعه ضغط الشارع آنذاك في أسابيع معدودة، عجزت عن تحقيقه عقود من التواجد والمشاركة داخل المؤسسات؛ إذ تحولت مطالب مراجعة الدستور، وتفكيك بنية الاستبداد، وفصل المال عن السلطة، من “محظورات سياسية” إلى أجندة وطنية فرضت نفسها على الخطاب الرسمي، وأجبرت تنظيمات حزبوية كانت تتهيب إدراج هذه المطالب في أدبياتها على تبنيها تحت قوة الدفع الشعبي.

هذه اللحظة التاريخية جسدت ذروة السجال الفكري والسياسي بين قطبين بارزين في الساحة المغربية:

حزب العدالة والتنمية، الذي اختار استراتيجية “الإصلاح من داخل المؤسسات” في إطار “الملكية الدستورية”، مراهناً على التدرج وتقديم ضمانات الاستقرار للنظام.

وجماعة العدل والإحسان، التي تبنت موقف المقاطعة والرفض للنسق الرسمي، مراهنةً على القوة المجتمعية وضغط الشارع لفرض تغيير جذري في ميزان القوى.

محور الخلاف

في الوقت الذي نزلت فيه الجماعة بكل ثقلها في “حراك 20 فبراير” معتبرة إياه فرصة تاريخية لخلخلة بنية النظام، اختار الحزب الانحياز لخيار “الاستقرار” والتقط الإشارات الرسمية في خطاب 9 مارس، لينخرط في قيادة الحكومة لاحقاً.

منتقدو الحزب يرون أن هذا المسار أسهم في امتصاص الزخم الشعبي وتبديد لحظة تاريخية كان يمكن للمجتمع فيها أن ينتزع ضمانات دستورية وسياسية أوسع، بينما يرى المدافعون عن الحزب أن خطوتهم حمت البلاد من سيناريوهات الفوضى الإقليمية العاصفة، التي عصفت بالدول العربية فيما عرف بالربيع العربي.

ولم تكن محطة 2011 استثناءً؛ إذ توالت الدلائل التي تؤكد أن الضغط المجتمعي يظل الأداة الأكثر حيوية في فرض التراجع على صناع القرار

فحملة المقاطعة الاقتصادية سنة 2018، أثبتت وعي المجتمع وقدرته الصامتة على فرض مراجعات اقتصادية كبرى وحماية القدرة الشرائية خارج الأطر الحزبية والنقابية التقليدية.

أما معارك الحراكات الفئوية، كمعركة “الأساتذة الذين فُرض عليهم التعاقد” منذ 2016، والاحتجاجات التاريخية لطلبة كليات الطب والصيدلة؛ حيث فرض الصمود الميداني مراجعة المقاربات الحكومية وإعادة هذه الملفات إلى صدارة الأجندة السياسية.

ايضا التراجع عن القرارات الإدارية مثل قرار العودة للتوقيت القانوني للمملكة استجابة للموجة الشعبية الرافضة، مما يعكس حساسية صانع القرار تجاه الشارع عندما يتوحد.

ولا ننسى دينامية “جيل Z”، الذي حاول الكثيرون التقليل من وعيه السياسي، ليثبت قدرته الشابة على التعبئة الرقمية والميدانية الجديدة، طارحاً قضايا الغلاء والعدالة الاجتماعية بأساليب مبتكرة تجاوزت كلياً الوساطة الحزبية المأزومة.

إن استحضار هذه المحطات ليس ادعاءً بأن ضغط الشارع يحقق الكمال المطلق، بل هو تذكير بحقيقة سياسية بسيطة مفادها أن موازين القوى لا تُصنع داخل المكاتب المكيفة والمؤسسات البرلمانية وحدها، بل يتم صياغتها من طرف الشارع المنظم.

واليوم، بعد سنوات من التدافع، من حق المغاربة تقييم الأطروحتين بعيداً عن الشعارات الجاهزة والمزايدات الحزبية، وطرح مجموعة من التساؤلات:

ما الذي حققته تجربة قيادة الحكومة لعشر سنوات في عمق بنية النظام السياسي؟

هل تغيرت طبيعة توزيع السلطة الحقيقية لصالح المؤسسات المنتخبة؟

هل تراجع الفساد وتغول السلطوية، أم أن الواقع يشير إلى تمدد نفوذ “المال والسلطة” بشكل غير مسبوق؟

لقد أثبت المسار، خاصة بعد إعفاء أمين عام العدالة والتنمية السابق عبد الإله بنكيران في 2017 ومخرجات انتخابات 2021 حدود المناورة من داخل نسق يمتلك أدوات ضبط اللعبة، وهو ما أعطى لأطروحة “الانتظارية” أو المقاطعة التي تمثلها جماعة العدل والإحسان وقوى يسارية راديكالية مشروعية متجددة لدى قطاعات من الرأي العام، معتبرين أن “المشاركة بلا سلطة فعلية” ليست سوى تأثيث لواجهة ديمقراطية.

وفي المقابل، تظل الجماعة مطالبة بتقديم بدائل عملية وواقعية تتجاوز مجرد الاحتجاج والانتظار لـ”القومة” أو التغيير الشامل.

بناءً على هذا المشهد، يصبح من الإجحاف السياسي والفكري وصم القوى التي ترفض الانخراط في النسق السياسي الحالي بـ”العدمية” أو “الانتظارية”. فالرفض هنا ينطلق من قراءة واقعية لنسق مغلق يعيد إنتاج نفسه ولا يتيح هوامش حقيقية للإصلاح.

فالخلاف الجوهري اليوم ليس مجرد مفاضلة ميكانيكية بين “من يشارك” و”من يقاطع”، بل هو بين من يمتلك دليلاً عملياً على أن خياره الاستراتيجي يقود المجتمع نحو الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية،

ومن يكتفي بإعادة إنتاج التبريرات. التاريخ في نهاية المطاف لا يحاكم النوايا السياسية، بل يحاكم الحصيلة والمخرجات؛ وهي المعيار الوحيد والفيصل الذي يجب أن يحتكم إليه الجميع.

عبد الوفي العلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *