أكثر من مجرد لعبة، كيف تحرك الساحرة المستديرة خيوط السياسة الدولية؟
ريحانة برس/ عبد الوفي العلام
تحمل كرة القدم، بصفتها اللعبة الأكثر شعبية في العالم، قوة ناعمة هائلة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، لتصبح أداة دبلوماسية وثقافية قادرة على بناء الجسور وتجاوز النزاعات السياسية والتاريخية بين الشعوب.
فكيف تحولت هذه اللعبة إلى وسيلة للسلام؟
غالبًا ما تنجح الرياضة حيث تفشل السياسة الرسمية. وتُعرف هذه الظاهرة بـ “دبلوماسية كرة القدم”، والتي تفتح قنوات اتصال غير رسمية بين الدول المتنازعة
فمباريات التقارب التاريخية (مثل مباريات المنتخبات التي تحمل توترات سياسية) تسهم في كسر الجمود وتلطيف الأجواء المشحونة.
والتاريخ يذكر كيف ساهم تأهل منتخب ساحل العاج لكأس العالم 2006، بقيادة النجم ديدييه دروغبا، في إعلان هدنة حقيقية أوقفت الحرب الأهلية آنذاك بعد نداء مؤثر من اللاعبين.
وتُعد البطولات الكبرى مثل كأس العالم أو الكؤوس القارية منصات للتثاقف والاتصال المباشر بين الشعوب، فعندما يلتقي مشجعون من ثقافات وخلفيات مختلفة في مدرج واحد، تتلاشى الصور النمطية المشوهة التي تبنيها أحيانًا وسائل الإعلام أو الخطابات السياسية.
كما تتيح اللعبة للجماهير التعرف على عادات، أهازيج، وقيم الشعوب الأخرى، مما يحول الاختلاف من مصدر للنزاع إلى مساحة للاحتفال الإنساني المشترك.
وتمتلك كرة القدم قواعد موحدة يفهمها الجميع في كل ركن من أركان الأرض، دون الحاجة إلى مترجم
فداخل الملعب، تنصهر الفوارق العرقية، الطبقية، والدينية. والقيمة الوحيدة هي الأداء والروح الرياضية.
ولقطات مواساة اللاعبين لخصومهم بعد الهزيمة، أو تبادل القمصان، ترسل رسائل بليغة للجماهير بأن التنافس شريف وينتهي مع صافرة الحكم، وأن “الخصم” ليس “عدوًا”.
تسهم اللعبة في دمج الأقليات والمهاجرين وتغيير النظرة المجتمعية تجاههم
عبر نجاح لاعبين من خلفيات مهاجرة في تمثيل منتخبات وطنية يحولهم إلى رموز فخر مشترك، مما يقلل من حدة الاحتقان الداخلي ويسهم في تعزيز السلم الأهلي والقبول بالآخر.
وتستخدم المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والفيفا كرة القدم كأداة لإعادة بناء المجتمعات بعد الحروب
عبرتُنظيم بطولات مصغرة للأطفال والشباب لتقديم الدعم النفسي، وتفريغ الشحنات السلبية، وتعليمهم قيم العمل الجماعي وحل النزاعات سلميًا.
كرة القدم ليست مجرد ركل لـكرة جلدية، بل هي ميكانيزم اجتماعي ونفسي قادر على توجيه طاقات الشعوب ونزوعها الفطري نحو التنافس إلى مسار سلمي مقنن. فهي تحول الصراع من ساحات المعارك المدمرة إلى منافسة رياضية تنتهي بالمصافحة.
فالتألق الاستثنائي للمنتخب المغربي الذي وحّد الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج وصنع طفرة غير مسبوقة في تاريخ الكرة الإفريقية والعربية ترك الأثر الاجتماعي والنفسي امتد صداه كإرث مستمر حتى اليوم، فهو يمثل نموذجًا مثاليًا لكيفية تحول الرياضة إلى أداة لـ الهوية الجامعة والدبلوماسية الشعبية.
في لحظات الانتصار، تراجعت الخلافات السياسية والحدود الجغرافية بين الدول العربية لصالح شعور جمعي بالانتماء.
وخرجت الجماهير تلقائيًا للاحتفال في شوارع تونس، الجزائر، القاهرة، بغداد، سوريا، ليبيا، والسعودية، وغزة، وغيرها من الدول الإسلامية وحتى غير الإسلامية رافعة الأعلام المغربية.
وأثبتت تلك اللحظات أن المشترك الثقافي والوجداني بين الشعوب العربية لا يزال حيًا وقادرًا على البروز متى توفرت المنصة العادلة للتنافس.
لفترة طويلة، ظلت الإنجازات الكروية الكبرى حكرًا على المدارس الأوروبية واللاتينية، مما خلق شعورًا ضمنيًا بالدونية الرياضية لدى شعوب “الجنوب العالمي” والمنطقة العربية.
فوز المغرب على قوى كروية كبرى مثل إسبانيا والبرتغال، وهولندا، والتعادل مع البرازيل، لم يكن انتصارًا رياضيًا محليًا، بل كان انتصارًا للذات العربية والإفريقية، حيث شعرت الجماهير من مختلف البلدان بأن هذا الإنجاز يمثلها ويثبت قدرتها على مقارعة الكبار الند للند.
ولم تقتصر اللعبة على الأداء الفني داخل الملعب، بل تحولت سلوكيات اللاعبين إلى رسائل ثقافية مست شغاف الشعوب العربية والإسلامية.
فمشاهد احتفال اللاعبين مع أمهاتهم وتقبيل رؤوسهن تصدرت وسائل الإعلام العالمية، وهي قيم تحظى بمكانة مركزية في الثقافة العربية والمغربية على وجه الخصوص، مما جعل المشاهد العربي يرى في هؤلاء اللاعبين تجسيدًا لأبنائه وقيمه.
والسجود بعد المباريات وحمل الأعلام الوطنية إلى جانب قضايا عادلة مثل العلم الفلسطيني عمق الشعور بوحدة المصير والوجدان التضامني.
شكّل هذا التألق أداة استراتيجية في الدبلوماسية الرياضية والقوة الناعمة، حيث نجحت هذه المحطة بدءًا من التنظيم القطري وصولاً للإنجاز المغربي في سحب البساط من السرديات الغربية النمطية حول المنطقة، وتقديم صورة حضارية، شغوفة، ومنظمة ومترابطة للشعوب العربية أمام العالم.
لقد اختزلت تلك الملحمة الكروية مسافات عجزت السياسة عن تقريبها؛ إذ تحول “أسود الأطلس” من منتخب يمثل دولة إلى مشروع حلم عربي مشترك، مؤكدين أن الرياضة حين تقترن بالهوية والقيم تصبح أقوى قنوات الدبلوماسية الشعبية لتوحيد الوجدان الجمعي العربي.
العلاقة بين كرة القدم والسياسة ليست ذات اتجاه واحد، بل هي علاقة جدلية تبادلية؛ فكل منهما يؤثر في الآخر ويتأثر به بشكل عميق. ومع ذلك، إذا أردنا وضعها في ميزان القوى، فإن السياسة هي المحرك الأكبر والإطار العام، بينما كرة القدم هي “الأداة” أو “المرآة” التي تعكس وتترجم تلك السياسات على أرض الواقع.
فكيف تؤثر السياسة في كرة القدم؟
السياسة تملك السلطة، والمال، والتشريع، ولذلك فهي قادرة على صياغة مشهد كرة القدم وتوجيهه لخدمة أجنداتها في صناعة “القوة الناعمة” والدبلوماسية، حيث تستخدم الدول استضافة البطولات الكبرى مثل كأس العالم أو الاستثمار في الأندية الأوروبية العملاقة كأدوات استراتيجية لتحسين صورتها الدولية، وبناء نفوذ جيوسياسي، وتعزيز ميزتها الاقتصادية.
وعندما تندلع النزاعات، تكون كرة القدم أولى ساحات العقاب السياسي. على سبيل المثال، تم عزل وتجميد مشاركات أندية ومنتخبات دول معينة من المنافسات القارية والدولية مثل فيفا وويفا نتيجة لقرارات سياسية بحتة اتخذتها القوى الكبرى.
تاريخيًا، استغلت الأنظمة الشمولية والديكتاتورية مثل إيطاليا الفاشية في مونديال 1934 انتصارات الملاعب لتعزيز شرعيتها الداخلية، وتخدير الجماهير، وتوجيه الحماس الشعبي بعيدًا عن الأزمات الاقتصادية أو السياسية.
لكن كيف تؤثر كرة القدم في السياسة؟
رغم أن كرة القدم لا تملك جيوشاً أو برلمانات، إلا أنها تملك سلطة أخطر، سلطة الحشود والوجدان الجمعي. وهنا تصبح اللعبة قادرة على فرض واقع سياسي جديد، إذ يمكن لضغط الجماهير واللاعبين أن يجبر الحكومات على اتخاذ قرارات سياسية. نأخذ مثالاً على ذلك، النجم الإنجليزي “ماركوس راشفورد” الذي أجبر الحكومة البريطانية على تمديد قسائم الوجبات المجانية للأطفال الفقراء خلال أزمة كورونا بفضل شعبيته وضغطه الإعلامي.
وفي المجتمعات التي تتقلص فيها هوامش حرية التعبير، تتحول المدرجات إلى “برلمانات شعبية” مفتوحة. تصبح أهازيج الجماهير وشعاراتهم مثل ألتراس الأندية في عدة دول عربية خطابات سياسية واجتماعية ناقدة تعبر عن نبض الشارع وتضغط على صناع القرار، وكمثال على ذلك ألتراس الرجاء البيضاوي وأغنية “ظلموني فبلادي”
قد تكون اللعبة شرارة للصراع، مثل “حرب كرة القدم” عام 1969 بين السلفادور وهندوراس التي اندلعت بعد مباراة تصفيات كأس العالم، رغم أن الأسباب الحقيقية كانت سياسية واقتصادية عميقة)، وعلى العكس تماماً، قد تكون سبباً في التهدئة وإيقاف الحروب الأهلية كما حدث في ساحل العاج.
السؤال، من يقود الآخر؟
السياسة هي التي تضع قواعد اللعبة الكبرى وتوفر التمويل والغطاء القانوني والجيوسياسي، لكن كرة القدم تمتلك “الشعبية الجارفة” التي تجعل السياسيين يخطبون ودها دائماً.
السياسة تستخدم كرة القدم لتمرير رسائلها، وكرة القدم تمنح الشعوب منصة لفرض إرادتها على السياسة. إنهما شريكان في صنع الوعي العام، ولا يمكن الفصل بينهما.