الاستاذ ميلود عبوز محام بالخميسات هيئة المحامين بالرباط المغرب
مرافعة الحرق الأخيرة، اجمعوا نصوصي القانونية واحرقوها في الساحة العمومية.
لقد انتهت صلاحيتها. لم تعد نصوصا، بل أصبحت طلاسم نتلوها على جثة العدالة. كنا نحملها كتعويذة تحمي المجتمع، فإذا بها تحمي الجلاد من المجتمع.
لقد انفرط العقد الاجتماعي.
العقد الذي كتبنا عنه في كتب السنة الأولى، وقلنا للناس إن بموجبه تنازل الفرد عن بعض حريته ليحميه الكل، قد انفرط. لم يعد أحد يتنازل، ولم يعد أحد يحمي. أصبحت الدولة تأخذ كل الحرية ولا تعطي أي حماية. فما قيمة العقد إذا كان طرف واحد يوقع وطرف واحد يمزق؟
انظروا إلى اللائحة، فهي وحدها تكفي كدليل إدانة:
اعتقال المحامي، لأنه تجرأ على الدفاع.
اعتقال الصحافي، لأنه تجرأ على الكتابة.
اعتقال الطبيب، لأنه تجرأ على التطبيب.
اعتقال الطالب والتلميذ، لأنهما تجرآ على السؤال.
اعتقال العامل والعاطل، لأن الأول يريد أن يعيش بكرامة والثاني لم يعد يطيق أن يموت بصمت.
عندما تعتقل كل الفئات، فأنت لم تعد تعتقل مجرمين، أنت تعتقل الوطن نفسه. ونهايتنا الطبيعية لم تعد محاكمات فردية، بل اعتقالات بالجملة. قفص واحد كبير بحجم الخريطة.
من الشمال إلى الجنوب، من الشرق إلى الغرب، جُبت البلاد، وفي سن الشيخوخة، لا أجد كلمة أختم بها مسيرتي غير هذه الحقيقة المرة: أنني انهزمت. انهزمت ليس أمام خصم أشرف مني، بل أمام مشهد عبثي، مشهد اليوم: جلاد يرقص في الساحة، وطبيب يعوضني في زنزانتي.
انقلب العالم. أصبح الرقص للجلاد، والزنزانة للطبيب، والمحكمة بلا محامٍ.
فأين المفر؟
لا مفر في النصوص. فتشنا عن مادة تحمي، فوجدنا مادة تُدين الضحية. فتشنا عن فصل ينصف، فوجدنا فصلا يُشرعن القهر. فتشنا عن سوادنا المهني ليكون هيبة، فإذا به يصبح سواد قهر وزنزانة وعار.
لذلك أقولها بلا تردد:
لا وطن بلا عقد، ولا عقد بلا نصوص تحترم، ولا نصوص بلا قضاء يطبقها.
وحيث لا وطن ولا عقد ولا نصوص، فلا معنى للاحتفاظ بأوراق الموتى.
احرقوها.
احرقوا النصوص التي خذلتكم، واحرقوا السواد الذي أثقل ظهوركم وخدعكم طويلا. ليس حرقا عبثيا، بل حرقا جنائزيا. نحرقها كما نحرق ثوب الميت، لا كرها فيه، بل لأن صاحبه مات.
أنا المحامي، وأنا العقد الذي انفرط، وأنا السواد الذي احترق.
وقد احترقت……… نهاية مرحلة …
