ريحانة برس
في زمن تتكاثف فيه العواصف الإقليمية وتتشابك فيه خرائط المصالح، لم يعد الغلاء في المغرب مجرد خبر اقتصادي عابر، بل تحول إلى سؤال وجودي يلامس صميم التوازن الاجتماعي: من يدفع الثمن فعلًا؟ ومن ينجو من فاتورة تتضخم بصمت؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن الإجابة جاهزة؛ اضطرابات الشرق الأوسط، تقلبات أسعار الطاقة، اختلال سلاسل الإمداد… لكن هذا التفسير، رغم وجاهته الجزئية، يخفي أكثر مما يكشف. فالحقيقة الأكثر إزعاجًا تكمن في الداخل، حيث تتراكم أعطاب بنيوية تجعل من كل صدمة خارجية فرصة لتفاقم الأزمة بدل احتوائها.
إن أسعار المحروقات، حين ترتفع، لا تقف عند حدود محطات الوقود، بل تمتد كأمواج خفية لتضرب عمق السوق. من الحقول إلى موائد المستهلكين، تتضخم التكاليف، وتنتفخ هوامش الربح في مسالك توزيع يغيب عنها الانضباط أكثر مما تحضر فيها المنافسة. هنا، لا يعود السؤال عن “لماذا الغلاء؟” بقدر ما يصبح: “من يراقب هذا الانفلات؟”
ولأن الاقتصاد لا يعيش في فراغ، فإن قسوة المناخ تضيف طبقة أخرى من التعقيد. الجفاف لم يعد مجرد حادث موسمي، بل تحول إلى عامل هيكلي يعيد تشكيل معادلة العرض والطلب، ويعمّق ارتهان السوق الوطنية للخارج. ومع كل موسم شحيح، تتآكل قدرة المغرب على حماية أمنه الغذائي، ويزداد المستهلك هشاشة أمام تقلبات لا يملك التحكم فيها.
أما السياسات العمومية، فبدت وكأنها تسير بخطى حذرة في سباق يتطلب جرأة. دعم ظرفي هنا، وإجراءات امتصاص هناك، لكنها تظل أشبه بمسكنات تخفف الألم دون أن تعالج المرض. الإصلاح الحقيقي لا يكمن في احتواء الصدمة، بل في تفكيك أسبابها: إعادة تنظيم سلاسل التوزيع، تشديد الرقابة، وتحفيز إنتاج وطني قادر على الصمود.
في الشارع، لا تُقاس الأزمة بالأرقام، بل بالإحساس المتزايد بالضيق. القدرة الشرائية لم تعد مجرد مؤشر اقتصادي، بل تحولت إلى معيار للكرامة اليومية. ومع كل ارتفاع جديد، تتسع فجوة الثقة، ويتحول الصمت إلى شكل من أشكال الاحتجاج المؤجل.
إن المغرب يقف اليوم أمام مفترق طرق دقيق: إما الاستمرار في تدبير الأزمات بمنطق رد الفعل، أو الانتقال إلى رؤية استباقية تعيد الاعتبار لدور الدولة كحارس للتوازن، لا مجرد وسيط بين قوى السوق. رؤية تُخضع الاقتصاد لمساءلة أخلاقية، وتجعل من حماية المواطن أولوية لا تقبل التأجيل.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بموجة غلاء عابرة، بل بلحظة اختبار حقيقية. اختبار لقدرة السياسات على الصمود، ولحدود صبر المجتمع. والأخطر من كل ذلك، اختبار لعدالة توزيع الكلفة: هل ستظل الفئات الهشة تدفع الثمن وحدها، أم أن ميزان الإنصاف سيجد طريقه













إرسال تعليق