عبد الوفي العلام – rihanapress
لم يكن قرار الإمارات فتح قنصلية بمدينة العيون المغربية قرارا مفاجئا، بقدر ما كان التوقيت مفاجئا خصوصا بعد تطبيعها مع إسرائيل صحبة البحرين، ودفع السودان نحو التطبيع بتعاون أمريكي سعودي.
التوقيت له دلالاته وأبعاده إذا ما استحضرنا سباق ترامب مع الزمن في الانتخابات الأمريكية لربح مزيد من النقاط لصالحه ودعم اللوبي اليهودي له عبر التطبيع العلني مع إسرائيل بوساطة إماراتية ومساوة المغرب على أراضيه الصحراوية.
حقيقة المغرب لا يحتاج للإمارات من أجل التطبيع، فالمغرب له علاقاته القوية مع إسرائيل منذ عهد الملك محمد الخامس، وقصته معروفة مع اليهود في حمايته لهم وحمايتهم له زمن “الرايخ” في ألمانيا. و للمغرب 12 وزيرا يهوديا مغربيا في حكومة نتنياهو.
لكن المغرب يحتاج لأموال الإمارات باعتبارها الدولة الغنية وعراب التطبيع العلني مع الدول العربية، فهي التي سهرت على تطبيع السودان والبحرين مع اسرائيل، ودول عربية أخرى في الطريق.
لكن الفرق شاسع بين تطبيع الإمارات والبحرين الغنيتين من جهة وتطبيع السودان الفقير والمغرب الذي يعرف اقتصادا متدبدبا من جهة ثانية، فكما يرى رئيس معهد بحوث الأمن القومي الإسرائيلي والرئيس السابق لشعبة الاستخبارات، جنرال احتياط عاموس يدلين “أن “الأهمية الأساسية للتطبيع مع السودان، هي في تواصل الزخم الإيجابي الناشئ، فهو لا يعزز الفهم القائم في العالم العربي والإسلامي؛ بأن الفيتو الفلسطيني على إقامة علاقات مع إسرائيل لم يعد قائما”.
وأوضح أن “الإنجاز الدبلوماسي والاستراتيجي المبهر في تطبيع الإمارات يجد تعبيره في أنه السلام المطلق، سلام حار بين الزعماء وبين الشعوب، سلام يتعلق في كل مجالات الحياة”، بحسب زعمه.
لكن في المقابل، فإنه يرى أن “في السودان سجلت منذ الآن خلافات على مجرد الإعلان عن التطبيع مع إسرائيل، بين المجلس العسكري المؤيد للتطبيع، وبين الحكومة المدنية التي تتحفظ منه، فيما تحرق أعلام إسرائيل في ساحات الخرطوم وتطلق أصوات سياسية تتحدث ضد التطبيع”.
كما أنه يرى أن السودان كان بوابة لإيران لتهريب الأسلحة لحماس والجهاد في غزة”، بحيث كانت الخرطوم هي غصةفي علاقات تل أبيب مع العالم العربي، فهناك تقررت اللاءات الثلاث في 1967، وإضافة إلى ذلك، قتل السفير الأمريكي في 1973.
أما المغرب فيعتبر من بين الدول العربية التي تربطها علاقات سرّية مع إسرائيل منذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني الذي كانت تستهويه دبلوماسية الكواليس في العلاقات الدولية. و المغرب من الدول التي سبق لها أن فتحت أبوابها علانية لزيارات وفود إسرائيلية رسمية سياسية ورياضية شاركت في لقاءات دولية في مدن مغربية في الرباط ومراكش وأكادير.
وعلى الرغم من أن المغرب بعيد حدوديامع الكيان الإسرائيلي، فإن له حضورا قويا في فلسطين التاريخية، خصوصا في مدينة القدس من خلال حارة وباب المغاربة، وما زال هذا الوجود مستمرا عبر مؤسسة “بيت مال القدس” التي أسسها الملك الراحل الحسن الثاني والتي ترعى مشاريع للحفاظ على الهوية العربية والمغربية داخل مدينة القدش الشريف.
وفي إسرائيل نفسها يوجد أكثر من مليون يهودي من أصول مغربية، يمثلون أكبر طائفة في إسرائيل بعد اليهود من أصول روسية، وما زال كثيرون منهم مرتبطين بجذورهم الثقافية في المغرب يزورون بلاد أجدادهم سنويا، لإحياء عدة مناسبات دينية مرتبطة بأماكن مقدّسة لهم ما زالت قائمة في عديد من مدن المغرب وقراه وجباله.
وبالمقابل، تعيش في المغرب أكبر جالية يهودية في العالم العربي يتراوح عدد أفرادها ما بين ألفين وخمسة آلاف شخص، أغلبهم غير مستقرّين بسبب أعمالهم، ومن بين هؤلاء ظهرت أسماء وازنة في تاريخ المغرب، دافعوا باستماتة عن القضية الفلسطينية، مثل المناضل الراحل أبرهام السرفاتي الذي ناهض الصهيونية، ودفع الثمن غاليا من حريته، مقابل نضاله 17 سنة من عمره قضاها في سجون الملك الراحل الحسن الثاني إبان “سنوات الجمر والرصاص”.
وإلى جانب ابراهام السرفاتي ظهر كذلك مناضل يساري مغربي أمازيغي يهودي، اسمه “سيون أسيدون” قضى 15 سنة هو الآخر في السجون دفاعا عن مغرب الكرامة والحرية، وما زال أسيدون وهو في 72 من عمره يدعو لمحاربة كل أشكال التطبيع مع الكيان الصهوني، وهو الذي قاد الحملة الدولية للمقاطعة الاقتصادية لإسرائيل، في المغرب، ويعتبر ما يقع في فلسطين التاريخية بأنه استعمارا مصيره الزوال.
ألى جانبه المفكر اليهودي ذو الأصول المغربية في فرنسا “جاكوب كوهين” المعروف بمعاداته الصهيوينة وكشف محاولات اختراق أذرعها الأخطبوطية للإعلام والدبلوماسية والاقتصاد.
بالمقابل فقد كشف تقرير إسرائيلي أوائل هذا العام أن لقاء جمع بين نتنياهو ووزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، جاء نتيجة لقناة الاتصالات السرية التي أنشأها مستشار نتنياهو للأمن القومي، “مئير بن شبات”، ورجل نتنياهو الخفي المكلف بنسج علاقات وطيدة مع الأنظمة العربية والمعروف باسم بـ”معوز” (الحصن)، بوساطة رجل الأعمال اليهودي المغربي، “ياريف إلباز” والمقرب كذلك من صهر ترامب ومستشاره، “جاريد كوشنر”.
وأشار التقرير إلى أن الخطوات التي قادها معوز، كادت أن تشعل حربًا بين مجلس الأمن القومي الإسرائيلي وجهاز الموساد برئاسة يوسي كوهين، الذي لم يعلم بتلك الخطوات، واستاء كبار المسؤولين في الموساد من تجاوز مجلس الأمن القومي لصلاحيات الجهاز، وإجراء قنوات اتصال غير منسقة مع الدول العربية.
لكن المغرب ليس كالإمارات أو البحرين أو السودان، حيث لا يجرؤ أي سياسي مغربي أن يدعو للتطبيع مع إسرائيل علنا، اللهم إلا بعض المتنطعين كتبوا مقالة هنا أو هناك، يجاهرون بعلاقاتهم مع إسرائيل اللذين لا يوجد لهم عمق تاريخي أو سياسي.
والتطبيع الشعبي المغربي الذي يحلم به الصهاينة لا يمكن أن يتحقق على اعتبار أن القضية الفلسطينية تسري في مخلية الوجدان الشعبي المغربي، ولو كان هذا التطبيع فلا يعدو أن يكون مكتبا للاتصال كما كان في السابق ولا يرقى لمستوى التطبيع الإماراتي، فليس شعب المغرب كشعب الإمارات أو البحرين.










إرسال تعليق