ريحانة برس
لم تكن السماء غاضبة، ولم تجتح المدينة سيول جارفة. في العيون لم تتجاوز الأمطار دقائق معدودة، لكنها كانت كافية لتكتب تقريراً ميدانياً صادماً عن واقع بنية تحتية قيل لنا إنها عنوان “التنمية المنشودة”.
القنطرة الجديدة، التي احتلت صورها واجهات الصفحات وتصدرت عناوين الإشادة، غرقت عند أول اختبار. جسر كلف ملايين الدراهم من المال العام، وجرى الترويج له كإنجاز استراتيجي، تحوّل في لحظة إلى مشهد مربك: مياه راكدة، حركة مشلولة، وأسئلة تتدفق أسرع من المطر نفسه.
أي تنمية هذه التي تذوب مع أول زخات؟ وأي جودة تلك التي لا تصمد أمام دقائق من البلل؟ ما حدث لم يكن حادثاً عرضياً، بل صفعة مدوية للخطاب الاحتفالي الذي سبق التدشين. فالمشاريع لا تُقاس بعدد الكاميرات التي توثق قص الشريط، بل بقدرتها على الصمود حين تغيب العدسات وتحضر الطبيعة.
المطر لم يكن كارثة، بل كان اختباراً بسيطاً. ومع ذلك، سقطت القنطرة في الامتحان. سقطت معها رواية الإتقان، واهتزت صورة الإنجاز النموذجي لأن المنشآت التي تُبنى بمعايير صلبة لا تخشى السماء، بل تتعامل معها كمعطى طبيعي محسوب في الدراسات والتصاميم.
المواطن الذي وجد نفسه محاصراً بالمياه لا يعنيه حجم الميزانية المرصودة، بل يسأل ببساطة: أين ذهبت؟ من راقب؟ ومن وقّع على التسليم؟ الأسئلة هنا ليست ترفاً سياسياً، بل حق مشروع في مساءلة كيفية تدبير المال العام.
الأخطر من تجمع المياه هو تجمع الصمت. فكل مرة يُطوى فيها ملف كهذا دون تحقيق شفاف، تتسع فجوة الثقة. التنمية لا تُختزل في إسمنت وحديد، بل تقوم على وضوح ومحاسبة. دون ذلك، تتحول المشاريع إلى هياكل صامتة تخفي هشاشة في العمق.
ما جرى في العيون رسالة واضحة: لا يمكن بناء مستقبل صلب فوق أساسات رخوة. المطلوب اليوم ليس بيانات تبرير، بل قرارات حازمة. افتحوا دفاتر المشروع، انشروا تقارير الخبرة، وحددوا المسؤوليات دون مواربة. لأن المال مال عمومي، ولأن كرامة المدينة ليست مادة دعائية.
دقائق المطر كانت قصيرة، لكنها أطول من كل الخطب. كشفت ما حاولت الشعارات إخفاءه، وذكّرت الجميع بأن التنمية الحقيقية لا تخاف من السماء… بل تخاف فقط من غياب الضمير.











إرسال تعليق