قضية نسمة الخطيب ومعركة المجتمع ضد إعادة هندسة القيم
ريحانة برس/ سيداتي بيدا
ليست أخطر التحولات تلك التي تُفرض بالقوة، بل تلك التي تتسلل إلى الوعي متخفية خلف عناوين براقة وشعارات تبدو في ظاهرها إنسانية. فحين يُعاد تقديم الدعارة بوصفها قضية حقوقية تستحق الاعتراف والتقنين، فإن النقاش يتجاوز حدود الرأي الشخصي ليصبح مواجهة مباشرة بين منظومة القيم ومحاولات إعادة تعريفها.
وقد أعادت قضية المحامية نسمة الخطيب إشعال هذا الجدل بعد قرار إحالتها إلى المساءلة التأديبية على خلفية تصريحات دعت إلى تقنين أوضاع العاملات في الدعارة ومنحهن حماية قانونية واجتماعية وصحية.
وبينما اعتبر البعض الأمر اجتهاداً قانونياً، رأى فيه آخرون تجاوزاً خطيراً للخط الفاصل بين الدفاع عن الإنسان والدفاع عن الظاهرة نفسها.
المشكلة لا تكمن في الدعوة إلى حماية الكرامة الإنسانية، فذلك مبدأ لا خلاف حوله، وإنما في تحويل ظاهرة يرفضها القانون والوجدان المجتمعي إلى واقع يُراد تطبيعه تدريجياً تحت مظلة الحقوق. فالتاريخ يعلمنا أن كثيراً من التحولات الفكرية بدأت بتغيير المصطلحات قبل تغيير القوانين، ثم انتهت بتغيير المعايير التي تحكم نظرة المجتمع إلى الصواب والخطأ.
إن مهنة المحاماة ليست مجرد ممارسة تقنية للنصوص، بل رسالة ترتبط بحماية العدالة وصيانة النظام العام واحترام الثوابت التي يقوم عليها المجتمع. ومن هنا فإن أي خطاب يُفهم منه السعي إلى منح المشروعية الأخلاقية أو القانونية لسلوك مرفوض يثير تساؤلات مشروعة حول حدود المسؤولية المهنية ودور المؤسسات في حماية رسالتها.
إن المجتمعات لا تفقد تماسكها فجأة، وإنما عبر سلسلة من التنازلات الصغيرة التي تُقدَّم في البداية باعتبارها استثناءات، ثم تتحول مع الوقت إلى قواعد جديدة. وما يُطرح اليوم تحت عنوان الحماية قد يصبح غداً مطلباً بالاعتراف، ثم خطوة نحو التطبيع الكامل مع ممارسات ظل المجتمع لعقود يعتبرها خروجاً عن منظومته القيمية.
ولا يمكن مواجهة الظواهر الاجتماعية المعقدة بمنحها شرعية جديدة، بل بمعالجة أسبابها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفتح أبواب الإصلاح الحقيقي أمام المتضررين منها، دون السقوط في فخ تحويل المشكلة إلى حق مكتسب.
لقد تجاوزت قضية نسمة الخطيب حدود شخص بعينه، لتصبح عنواناً لمعركة أوسع تدور حول هوية المجتمع وحدود المقبول فيه. وفي مثل هذه القضايا، لا تكون الكلمات مجرد آراء عابرة، بل مواقف قادرة على رسم ملامح المستقبل وتحديد الاتجاه الذي تسير نحوه الأمم.
عنوان بديل أكثر قوة:
السقوط الأخلاقي تحت لافتة الحقوق
حين تُستبدل الثوابت بالشعارات
تقنين الانحراف لا يبدأ بتغيير القوانين فقط، بل يبدأ حين تفرغ القيم من معناها وتزين الشعارات بديلا لها.