خيوط عابرة للحدود، كيف يلاحق “مكتب الصرف” المغربي وشبكات الرقابة الأوروبية أموال الظل؟
تحقيق استقصائي
في مكاتب مغلقة بالرباط وعواصم أوروبية، تنكب فرق مدربة من المحققين الماليين على تتبع مسارات معقدة لتدفقات نقدية تثير الكثير من الشبهات. لم تعد عمليات تبييض الأموال مجرد حقائب نقدية تعبر الحدود، بل تحولت إلى هندسة مالية رقمية وعقارية بالغة التعقيد، مما دفع مكتب الصرف المغربي إلى رفع مستوى التنسيق مع الهيئة الوطنية للمعلومات المالية (ANRF) وأجهزة الرقابة في الاتحاد الأوروبي، لفك شفرات شبكات منظمة تحاول إخفاء مصادر ثرواتها.
هذا التحقيق يسلط الضوء على أربع بؤر ساخنة تشكل جوهر التحقيقات الدولية والمحلية الجارية حالياً.
1. واجهات في القارة العجوز: الشركات الوهمية ومصيدة “الإقامة”
تبدأ الحكاية غالباً بتأسيس شركات تجارية في دول أوروبية، حيث يُظهِر الفحص الأولي أنها كيانات تهدف للاستثمار المتبادل. لكن التحقيقات كشفت عن نمط مغاير تماماً؛ إذ يعمد رجال أعمال ومستثمرون مغاربة إلى خلق هذه الكيانات كـ”واجهات قانونية” فقط، للحصول على بطاقات إقامة تحت بند الاستثمار والمشاريع.
وتشير التقارير الاستخباراتية المالية إلى أن هذه الشركات لا تمارس أي نشاط تجاري حقيقي على الأرض، بل تتحول حساباتها البنكية الأوروبية إلى قنوات لاستقبال تحويلات مالية ضخمة وغير مبررة. الخيط الذي قاد المحققين إلى هذه الشبكات هو غياب أي أثر أو تصاريح مسبقة لهذه الكيانات لدى قواعد بيانات مكتب الصرف أو المديرية العامة للضرائب في المغرب، مما جعلها تقع مباشرة في مصيدة “شبهات غسل الأموال العابرة للحدود”.
2. قنوات الصرف اليدوي: من الأوراق النقدية إلى “التشفير”
لم تكن النقاط الحدودية وحدها تحت المراقبة، بل امتدت يد التحقيق لتشمل قلب المدن المغربية الكبرى كالدار البيضاء، ومراكش، وطنجة. هناك، باشرت لجان افتحاص ميدانية تابعة لمكتب الصرف تحقيقات واسعة مع عشرات من شركات الصرف اليدوي.
المفاجأة لم تكن فقط في رصد مخالفات احترازية، مثل تسهيل تدفقات مالية ضخمة دون التثبت من الهويات الإجبارية للزبائن، بل في رصد رابط رقمي حديث. فقد كشفت التحقيقات عن شبكات تستغل “صيارفة” غير قانونيين يعملون في الظل لتوفير أصول رقمية مشفرة (مثل البيتكوين والتيثر) مقابل عمولات نقدية بالدرهم عبر حسابات محلية متشعبة. هذه الطريقة تمنح المهربين وسيلة سريعة لتحويل الثروات إلى الخارج وتسييلها دون المرور بالنظام المصرفي التقليدي.
3. المقايضة العقارية: تسوية الديون خلف الستار
ابتكرت شبكات التبييض أسلوباً التوائياً يعتمد على الأصول العقارية لتفادي الرقابة اللصيقة على الحسابات البنكية. وتكشف محاضر التحقيق عن لجوء بعض رجال الأعمال إلى تسوية ديون لمعاملات تجارية نشأت وتولدت داخل المغرب، ولكن ليس عبر القنوات المالية المصرفية.
العملية تتم عبر “المقايضة”: تفويت شقق فاخرة، وفيلات، وبقع أرضية في دول مثل إسبانيا وفرنسا لصالح الدائنين. وبهذه الطريقة، يتم التخلص من السيولة النقدية أو الالتزامات المالية داخل المغرب، مقابل نقل ملكية عقارات في الخارج، مما يشكل خرقاً سافراً لقانون الصرف والأنظمة الاحترازية لمحاربة غسل الأموال.
4. قناع “الشركات الأجنبية”: العبور عبر بوابات إفريقيا
المسار الرابع والأكثر تعقيداً يخص شركات أجنبية مستقرة في المغرب، تمتلك فروعاً ونشاطات في دول إفريقية جنوب الصحراء. تلقت السلطات المغربية إشعارات حمراء من جهات رقابية أوروبية تفيد برصد تعاملات تجارية وخدماتية يرجح أنها “وهمية” بين هذه الفروع.
تتخلص اللعبة في ضخ مبالغ ضخمة تناهز عشرات الملايين من الدراهم تحت غطاء “معاملات بين الفروع”، لتأخذ هذه الأموال مساراً دائرياً ينتهي بها المطاف في حسابات سرية أو استثمارية بقلب أوروبا. هذا التمويه متعدد الجنسيات يضع المحققين أمام تحدي تجميع الأدلة من ثلاث قارات مختلفة لإثبات الجريمة المالية.
وتستمر التحقيقات بتعاون قضائي وأمني وثيق، حيث تسعى السلطات المغربية والأوروبية إلى تضييق الخناق على هذه المسارات الالتوائية، لحماية نزاهة المنظومة المالية الدولية من “أموال الظل”.
5.شهادات حصرية أو آليات التنسيق الميداني بين مكتب الصرف والمديرية العامة للضرائب؟
تنتقل معركة محاربة “أموال الظل” من تدقيق الحسابات الافتراضية إلى الميدان عبر منظومة التنسيق المشترك والآلي بين مكتب الصرف والمديرية العامة للضرائب. هذا التكامل الإداري تدعمه نصوص قانونية محدثة مثل التعليمات العامة لعمليات الصرف (IGOC 2026) ودوريات مكافحة غسل الأموال.
نعرض لكم كواليس آليات التنسيق الميداني والتقاطعات التي تفضح الشبكات المالية، استناداً إلى تقارير رقابية ومعطيات حصرية من محاضر التحريات.
أولاً: آليات التنسيق الميداني (التكامل الرقمي والذكاء المالي)
لم يعد التنسيق مقتصراً على المراسلات الورقية التقليدية، بل تحول إلى نظام رقمي مؤتت لتبادل المعطيات الجبائية والمالية:
- التقاطع الخوارزمي المباشر: يتيح النظام لـ”المديرية العامة للضرائب” مطابقة أرقام المعاملات المصرح بها محلياً مع قاعدة بيانات “مكتب الصرف” المتعلقة بالتحويلات الموجهة نحو الخارج.
- رصد تضخيم “أثمان التحويل” (Transfer Pricing): باشرت اللجان المشتركة افتحاصات واسعة استهدفت شركات أجنبية وفروعها بالمغرب. وتتبع المحققون تحويلات مشبوهة (تجاوزت مئات الملايين من الدراهم) بذريعة “خدمات استشارية وتقنية” تفوق قيمتها الحقيقية، والهدف هو تهريب الأرباح لتقليص الوعاء الضريبي بالمغرب.
- حملة تعقب الحسابات والمحافظ الخارجية: أطلقت المؤسستان حملة مشتركة لملاحقة متهربين فتحوا حسابات بنكية سريّة بالخارج دون ترخيص مسبق، مع الاستعانة باتفاقيات تبادل المعلومات الدولي لتعقب الأصول غير المصرح بها.
ثانياً: شهادات من واقع محاضر التحقيق (صدمة “العجز المزمن”)
تكشف التحريات المشتركة عن أساليب وحالات واقعية سقطت في قبضة الرقابة المالية والضريبية:
1. خديعة “الشركات الخاسرة” والسفر الباذخ
الواقعة وضعت خوارزميات التدقيق اليد على شركات يسيرها مغاربة وأجانب تصرح بـ”عجز مالي دائم” لسنوات طوال للإعفاء من ضرائب الشركات. ولكشف خيط اللعبة زود مكتب الصرف مراقبي الضرائب ببيانات صادمة حول تكاليف ونفقات أسفار وبطاقات ائتمان دولية باذخة استعملها مسيرو هذه الشركات في رحلات سياحية بالخارج، إلى جانب امتلاكهم أصولاً ثابتة وعقارات بأوروبا. هذه الرفاهية المفرطة تناقضت كلياً مع “التصريحات الصفرية” المشبوهة المقدمة للمصالح الجبائية.
2. الفواتير المزدوجة وتلاعبات الاستيراد
وأسفر التنسيق مع إدارة الجمارك أيضاً عن ضبط شبكات تلاعبت بالتصاريح بقيمة تجاوزت المليار درهم. وتعمد الشركات خفض قيمة السلع عند الاستيراد أمام الجمارك لتقليص الرسوم، وبالمقابل تقديم فواتير مضخمة ومزورة لإدارة الضرائب لرفع التكاليف الوهمية وخفض الأرباح الخاضعة للضريبة، مع تحويل الفارق المالي لحسابات خارجية.
3. تشديد الخناق على “صيارفة الكريبتو”
بموجب التحديثات الصارمة، أصبح لزاماً على شركات الصرف تعيين “مسؤول يقظة” داخلي لمعالجة العمليات غير العادية التي تساوي أو تتجاوز 100 ألف درهم. وكنتيجة ميدانية، مكنت هذه الآلية من رصد “وسطاء” يقومون بسحب سيولة نقدية ضخمة بالدرهم لشراء أصول مشفرة وتسييلها في بورصات رقمية أوروبية، ملتفين على القيود الصارمة المنصوص عليها في منشور صرف العملات المحدث. وتظهر هذه الآليات الميدانية أن التنسيق بين مصلحة الضرائب ومكتب الصرف تحول إلى كماشة رقمية تصطاد ممارسات التهرب وغسل الأموال، محولةً الحدود المالية للمملكة إلى منظومة شديدة الحساسية ضد “أموال الظل”.