اسباتة .. تحت وطأة التهميش الممنهج، والتنمية تتحول إلى كذبة كبيرة وإلى إسمنت يأكل الملايين بلا نتيجة ملموسة

  • الكاتب : اسباتة/ المراسل
  • بتاريخ : 12 مارس، 2026 - 17:22
  • ريحانة برس

    لم تعد منطقة اسباتة تعاني فقط من تعثرات عادية في بعض المشاريع، بل أصبحت تعيش وضعا صادما أقرب إلى “الشلل التنموي” الذي لا تفسير له سوى غياب الحكامة وانهيار منطق التدبير.

     

     منطقة بكاملها تبدو وكأنها توقفت بقدرة قادر، في وقت تتسابق فيه مناطق أخرى نحو التحديث والبنيات والخدمات، بينما منطقة اسباتة تُدفع دفعا إلى الخلف، وتُترك رهينة أوراش مفتوحة، ووعود جوفاء، وإسمنت جامد لا ينتج سوى الغبار والاختناق والخيبة.

     

    المؤلم في هذا الواقع ليس فقط أن المشاريع متوقفة، بل أن المال العام يُصرف دون أثر. الملايين تُهدر، والصفقات تمر، والأوراش تُطلق ثم تُترك مثل جثث حضرية، دون جدول زمني واضح، ودون تواصل مسؤول، ودون محاسبة. وكأننا أمام منطقة لا يسيرها منطق الدولة، بل منطق العبث: نبدأ… ثم ننسى… ثم نبرر… ثم نكرر نفس الكارثة.

     

    من شارع الداخلة الذي ابتلع عشرات الملايين ولم ير النور، إلى عدة مشاريع التي تحولت إلى ملف مزمن وشائك ومشوب بخروقات تستوجب فتح بحث قضائي، إلى الشوارع التي تُحفر وتُعاد عملية حفرها، علي مدار السنة، إلى غياب مساحات خضراء ، كل ذلك يجعل سؤالا واحدا يفرض نفسه بقوة: أين ذهبت التنمية؟ وأين ذهب المال؟ ومن يتحمل المسؤولية؟

    إن ما يحدث باسباتة ليس مجرد “تعثر”، بل هو نموذج فجّ لتبديد المال العام تحت غطاء المشاريع. مشاريع تلتهم الميزانيات وتنتج الصفر، وكأن الهدف لم يعد هو خدمة المواطن، بل صرف الاعتمادات و”تدوير” الصفقات، ثم ترك الساكنة تواجه واقعا أكثر بؤسا مما كان عليه قبل انطلاق الأشغال.

    وإذا كانت بعض الجهات تحاول الاختباء وراء شماعة “ الإكراهات التقنية”، فإن الواقع يفضح أن الأمر أكبر من ذلك، إنه سوء تدبير ممنهج، وضعف مراقبة، وغياب صارخ للمحاسبة. لأن منطقة اسباتة التي تتعثر فيها كل الأوراش في نفس الوقت ليست منطقة تعاني الصدفة… بل منطقة تعاني من خلل عميق في القيادة والتخطيط والنجاعة.

     

    الأخطر من كل هذا، أن المواطن لم يعد يرى أي احترام لحقه في المعلومة. لا تقارير واضحة، لا تواصل شفاف، لا نشر لمعطيات الصفقات، لا توضيح لمراحل الإنجاز، لا اعتراف بالأخطاء… فقط صمت ثقيل، وتبريرات متأخرة، وبلاغات تُكتب بسرعة عندما يتعلق الأمر بالصراع السياسي، بينما لا أحد يتحرك بالسرعة نفسها حين يتعلق الأمر بمعاناة الناس اليومية وسط الحفر، والغبار، وإغلاق الطرق، وتعطيل الحركة التجارية.

     

    اسباتة اليوم لا تحتاج إلى “تزيين الكلام”، ولا إلى مزيد من الشعارات، بل تحتاج إلى حقيقة واحدة ، من تسبب في هذا الخراب يجب أن يُحاسب. لأن استمرار نفس الوجوه بنفس العقلية وبنفس الأساليب لن ينتج إلا مزيدا من النزيف. منطقة تُهدر فيها الملايين دون إنجازات ليست منطقة تعاني فقط من ضعف التنمية، بل منطقة تُستنزف عمدا ، وتُدار بعقلية “دبر راسك”.

     

    وأمام هذا الوضع الذي لم يعد مقبولا ، فإن تدخل الجهات المركزية أصبح ضرورة لا رفاهية. المفتشية العامة للإدارة الترابية، المجلس الأعلى للحسابات، وكل أجهزة الرقاب مدعوة اليوم قبل الغد لفتح تحقيق شامل، لا يكتفي بتسجيل الأعطاب، بل يحدد المسؤوليات ويضع أسماء واضحة أمام الرأي العام، لأن هذا النزيف لم يعد يحتمل، ولأن المال العام ليس غنيمة، ولأن منطقة اسباتة ليست “هامشاً” خارج أجندة الدولة.

     

    إنقاذ اسباتة لا يمر عبر الكلام ولا عبر التبرير ولا عبر التراشق السياسي، بل عبر قرار صارم، وقف العبث، محاسبة المتسببين، وإعادة إطلاق المشاريع وفق تخطيط حقيقي، وآجال واضحة، وجودة محترمة، وشفافية كاملة. لأن التنمية ليست زينة انتخابية… بل حق، وكرامة، ومستقبل منطقة كاملة.