هل أصبحت العدالة امتحانًا للدولة منظمة العفو الدولية تحذّر من إعدام القانون باسم محاسبة الأسد

ريحانة برس/ سيداتي بيدا

في سوريا، حيث ما تزال ذاكرة الانتهاكات الثقيلة تبحث عن الحقيقة والإنصاف، دخل ملف محاسبة رموز عهد بشار الأسد مرحلة شديدة الحساسية، بعدما أطلقت منظمة العفو الدولية تحذيرًا واضحًا من أن المحاكمات الغيابية وأحكام الإعدام بحق بشار الأسد، وشقيقه ماهر الأسد، وعاطف نجيب، لا تنسجم مع الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة ولا مع المعايير الدولية المعترف بها.

المسألة هنا أكبر من أسماء متهمين أو أحكام قضائية؛ إنها اختبار حقيقي لما إذا كانت سوريا قادرة على الانتقال من منطق القوة إلى منطق المؤسسات، ومن ذاكرة العقاب السياسي إلى عدالة تستمد شرعيتها من القانون.

فالعدالة، مهما كان حجم الجرائم المرتكبة، لا يمكن أن تتحول إلى محكمة انتقام. وإذا كان المطلوب إغلاق صفحة الإفلات من العقاب، فإن ذلك لا يمكن أن يتم عبر إجراءات تفتح في المقابل بابًا جديدًا للطعن في شرعية الأحكام ومصداقيتها.

منظمة العفو الدولية دعت إلى أن تتم ملاحقة المسؤولين عن الجرائم الفظيعة أمام محاكم مدنية عادية، وبمشاركة الضحايا، ومن دون اللجوء إلى عقوبة الإعدام. كما طالبت بإلغاء المحاكمات الغيابية، وإدماج الجرائم التي يشملها القانون الدولي ضمن التشريعات السورية، فضلًا عن إجراء إصلاح قضائي شامل يعيد بناء منظومة العدالة على أسس الاستقلال والنزاهة والشفافية.

وهذه المطالب تضع السلطة القضائية أمام مسؤولية تاريخية: هل ستكون العدالة أداة لتصفية الحساب مع الماضي، أم مؤسسة قادرة على تفكيك الماضي بالقانون؟

فالضحايا، الذين تحملوا آثار سنوات طويلة من العنف والانتهاكات، لا يحتاجون إلى أحكام صادمة بقدر حاجتهم إلى حقيقة كاملة، وأدلة موثقة، ومسؤوليات محددة، ومحاكمات نزيهة، وضمانات تمنع تحويل العدالة إلى انتقام.

إن المحاكمة العادلة لا تعني التساهل مع الجرائم، ولا تمنح المتهمين حصانة أخلاقية أو سياسية. على العكس، فإن احترام الإجراءات القانونية هو ما يمنح الإدانة قوتها ويجعل الحكم قابلًا للصمود أمام التاريخ والقانون والمجتمع الدولي.

أما عقوبة الإعدام، فتظل وفق موقف المنظمة، خيارًا ينبغي استبعاده، لأن العدالة لا تحتاج إلى قتل المتهم كي تثبت قدرتها على إنصاف الضحية.

وفي نهاية المطاف، فإن سوريا تقف أمام مفترق حاسم: إما عدالة قوية بالقانون، أو أحكام قوية في ظاهرها لكنها هشة أمام الاختبار الحقوقي.

فالدولة التي تريد طي صفحة الماضي لا تستطيع أن تفعل ذلك بصفحة أخرى من الانتهاكات. والعدالة التي لا تحترم القانون قد تنتج حكمًا، لكنها لن تنتج بالضرورة عدالة.

عبد الوفي العلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *