متى تتحرك الدولة المغربية للحذو حذو العراق في ملاحقة ناهبي المال العام؟
ريحانة برس/ عبد الوفي العلام
تشهد الساحة السياسية والقانونية في العالم العربي تحولات متسارعة فيما يتعلق بملفات مكافحة الفساد المالي. وبينما اتخذ العراق خطوات قضائية حاسمة وجريئة أدت إلى ملاحقة وإدانة مسؤولين كبار متورطين في السطو على المقدرات العامة للبلاد، يُطرح التساؤل في المغرب حول وتيرة وآليات التعاطي مع هذا الملف، والمدى الزمني والمؤسساتي الذي تحتاجه الدولة المغربية للحذو حذو التجربة العراقية في ضرب شبكات الفساد بقوة وحزم.
فرغم التحديات الأمنية والسياسية المعقدة التي يمر بها العراق، إلا أن القضاء العراقي، مدعوماً بـ”هيئة النزاهة الاتحادية”، نجح في تحويل مكافحة الفساد من مجرد شعار سياسي إلى واقع ملموس.
فقد طالت الملاحقات القضائية وزراء سابقين، ومدراء عامين، وقادة أمنيين، ولم تعد الحصانة السياسية أو الولاءات الحزبية كافية لحماية المتورطين.
ولم تقتصر أيضا الأحكام على العقوبات السجنية، بل ركزت الاستراتيجية العراقية على تفعيل اتفاقيات تسليم المجرمين واسترداد الأصول المهربة دولياً مثل تداعيات قضية “سرقة القرن”.
وتحت ضغط حراك شعبي مستمر يطالب بربط المسؤولية بالمحاسبة، تحركت الآلة القضائية في العراق، مما منح القضاء غطاءً وطنياً لمواجهة حيتان الفساد.
في المقابل، يمتلك المغرب ترسانة قانونية ومؤسساتية متطورة كالمجلس الأعلى للحسابات، والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشابة ومحاربتها، والنيابة العامة، إلا أن تنزيل هذه القوانين على أرض الواقع يتسم ببطء شديد يثير الكثير من التساؤلات.
فرغم وجود متابعات قضائية في حق بعض البرلمانيين ورؤساء الجماعات الترابية والمجالس البلدية، إلا أن هذه المحاكمات تستغرق سنوات طويلة في ردهات المحاكم، مما يفقدها أثرها الردعي.
ولا يزال الرأي العام المغربي يترقب تفعيل وتطوير آليات حاسمة مثل قانون “الإثراء غير المشروع” من أين لك هذا؟، والذي عرف شد وجذب سياسي كبير أدى في فترات سابقة إلى سحبه أو تجميد النقاش حوله.
يبدو أن المقاربة المغربية تفضل التدرج وتفادي الهزات السياسية الكبرى، وهو ما يفسره البعض بوجود مقاومة شرسة من طرف “رجال المال والسلطة” داخل النفوذ المالي والسياسي التي تحمي مصالحها.
فمكافحة نهب المال العام ليست ترفاً سياسياً، بل هي الركيزة الأساسية لإنجاح أي نموذج تنموي. فبدون قضاء ناجز ومستقل تماماً عن التوازنات السياسية، تظل التقارير الرقابية مجرد حبر على ورق.
إن الانتقال بالمغرب من مرحلة “التشخيص والتقارير” إلى مرحلة “المحاسبة الشاملة والناجزة” يحتاج إلى توفر شروط وإشارات سياسية حقيقية، يمكن إجمالها في النقاط التالية:
الإرادة السياسية العليا الحاسمة، كما حدث في ملفات وطنية كبرى، لأن تحريك قطار المحاسبة الشاملة يحتاج إلى “ضوء أخضر” حاسم يرفع الحصانة والغطاء السياسي عن أي مسؤول مهما كان وزنه، وتحويل تقارير المجلس الأعلى للحسابات تلقائياً وفورياً إلى القضاء الجنائي.
ايضا يحتاج المغرب إلى إقرار قانون “الإثراء غير المشروع”، إذ لن يتحرك المغرب بفعالية إلا إذا تم تبني نص قانوني صارم يعتمد على مبدأ “قلب عبء الإثبات”، بحيث يصبح المسؤول ملزماً بتبرير مصدر ثروته، عوضاً عن تكليف الدولة بالبحث عن أدلة الإدانة وسط متاهات الشركات الواجهة والتهريب المالي.
أيضا استقلالية النيابة العامة والقضاء الزجري، هو الآخر يحتاج إلى جرأة أكبر في التعامل مع ملفات الفساد المالي، عبر تسريع وتيرة الجلسات، وتفعيل تدابير منع السفر وتجميد الممتلكات فور انطلاق التحقيقات لمنع تهريب الأموال.
مع تفاقم معضلات البطالة وفقدان الشباب لآفاق المستقبل، يصبح لزاماً على الدولة تقديم “إشارات ثقة” قوية للمجتمع تؤكد أن القانون يطبق على الجميع، وأن محاربة الفساد هي المدخل الأساسي لتوفير فرص الشغل والعدالة الاجتماعية.
فالمغرب لا ينقصه الذكاء المؤسساتي أو النصوص القانونية للحذو حذو العراق في حربه على الفساد، بل ينقصه الحسم والسرعة. لأن التحديات الراهنة تفرض على الدولة المغربية الانتقال إلى “سرعة قصوى” في المحاسبة، لأن تكلفة الانتظار والتدرج أصبحت تفوق بكثير كلفة المواجهة المباشرة مع ناهبي المال العام.