قبيل الانتخابات هل يصلح النظام ما أفسدته الأحزاب المغربية

ريحانة برس/عبد الوفي العلام

خلال السنوات الأخيرة ركز النظام المغربي على تعزيز السمعة الدولية للبلاد والمكانة الوطنية أكثر من تركيزها على تنفيذ سياسات تنموية شاملة أو مستدامة. وتحت قيادة الملك محمد السادس، هيمنت أولويتان على جدول أعمال الحكومة التي يرأسها الملك، كرة القدم والصحراء المغربية؛ حيث شكلتا معاً أدوات للقوة الناعمة لتحسين صورة المغرب العالمية، وتعزيز الوحدة الوطنية، وحشد المواطنين خلف الراية الوطنية.

ويُجسد فوز المغرب بالملف المشترك لاستضافة كأس العالم لكرة القدم 2030 مع إسبانيا والبرتغال جهوده لترسيخ مكانته العالمية، لكنه يؤكد أيضاً على التركيز على مبادرات القوة الناعمة بدلاً من الإصلاح السياسي الحقيقي.

وقد عملت القوة الناعمة على صرف الانتباه عن القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية الملحة، ولا سيما فشل الحكومة في معالجة التحديات السياسية والاقتصادية للبلاد. ورغم أن هذه الإنجازات الرمزية قد عززت الفخر الوطني، إلا أنها حجبت النقاشات المصيرية حول التحول الديمقراطي، والعدالة الاقتصادية، وإصلاح الحكامة.

وبدلاً من ذلك، ساعدت في ترسيخ وتوطيد سلطة النظام الملكي، الذي يواصل التحكم في السياسات الداخلية والخارجية على حد سواء. وقد انخرط الملك شخصياً في تدبير شؤون كرة القدم، مشرفاً على بناء ملاعب ذات مستويات عالمية بميزانيات غير شفافة، سال في شأنها الكثير من المداد، مما عزز سردية التجديد الوطني، وفي نفس الوقت خفف من حدة الانتقادات الموجهة لضعف الحكامة، والتفاوت الاقتصادي، والظلم الاجتماعي.

منذ استقلال المغرب إلى نصف نهائي كأس العالم 2022 في قطر، تم استخدام كرة القدم لعكس صورة حديثة وديناميكية في الخارج. وقد استُغل هذا التركيز على كرة القدم لـ “تبييض” صورة المغرب الأكثر سلطوية والتقليل من شأن التحديات الداخلية مثل ارتفاع معدلات البطالة، والتفاوت الطبقي، وانتهاكات حقوق الإنسان.

وتعمل الإعلانات المتكررة التي تروج لدور المغرب في تنظيم كأس العالم 2030 والفرص التي يتيحها كأداة للحكومة لإعادة فرض سيطرتها على الوعي الجمعي العام المغاربة.

وتظل قضية الصحراء المغربية قضية مركزية في الدبلوماسية المغربية والسياسة الداخلية، حيث تستمر في توحيد المواطنين حول الملكية وصرف الانتباه عن المشاكل المحلية.

وقد أدى تركيز الحكومة المستمر على هذه القضية إلى تهميش الدعوات المنادية بالتحول الديمقراطي والنمو الاقتصادي الشامل بشكل فعال. بالإضافة إلى ذلك، شكل تطبيع المغرب العلني مع إسرائيل تحولاً جيوسياسياً كبيراً، مما أثار الدعم والمعارضة في آن واحد. فبينما يعتبر المسؤولون التطبيع كخطوة استراتيجية من جهة، أدانت جماعات المعارضة – وخاصة الإسلاميين واليسار – هذه الخطوة واعتبرتها خيانة للقضية الفلسطينية من جهة أخرى.

وخلال فترة حكم محمد السادس، حافظت الملكية على قبضتها القوية على السلطة، مفضلة نهجاً فوقياً في الحكامة. ومع ذلك، تراجع الحضور العلني للملك بشكل ملحوظ، ويُعزى ذلك بحسب التقارير إلى مرض والاوضاع الصحية للملك، مما غدى التكهنات بأن الدائرة المقربة من المخزن والأجهزة الأمنية باتت توجه شؤون الدولة بشكل متزايد. وقد أدى الدور المتنامي لقوات الأمن وأجهزة الاستخبارات في صياغة القرارات السياسية وقمع المعارضة إلى تعزيز النزعات السلطوية.

لكن العفو الملكي عن العديد من الصحفيين جاء كبادرة مدروسة تهدف إلى تحسين صورة المغرب وسط انتقادات دولية لحقوق الإنسان. ولم يكن هذا العفو مؤشراً على تحول حقيقي نحو إصلاحات أوسع، بل وفر متنفساً مؤقتاً من الاستياء الشعبي المتزايد.

وفي الوقت نفسه، تم تفعيل “الوطنية” او المواطنة مجدداً  كأداة سياسية رئيسية، مما ساهم في تعزيز الوحدة ولكن أيضاً في كتم الأصوات الناقدة.

في الجانب الاقتصادي، حقق المغرب تقدماً تدريجياً في تحديث بنيته التحتية وتنويع اقتصاده، لاسيما في مجالات الطاقة المتجددة والسياحة. ومع ذلك، لم تكن هذه النجاحات كافية لمعالجة التفاوتات الهيكلية وتعزيز النمو الشامل. فقد أدى نمط من الرأسمالية غير المنظمة إلى تعميق الفوارق الاجتماعية، مع بقاء البطالة المرتفعة، خاصة بين الشباب، والتفاوت الاقتصادي الواسع قضايا تؤرق البلاد.

كما شكلت الضغوط نتيجة التضخم، وركود الأجور، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وغلاء المعيشة عبئاً على القدرة الشرائية للأسر المغربية، في حين تستمر المناطق القروية في مواجهة التهميش. وفشلت السياسة الاقتصادية في تحديث أو تحدي المصالح الراسخة للمخزن أو في إعادة توزيع الثروة بشكل ملموس.

إن التفاوت الاجتماعي المتزايد والقمع السياسي يرفعان من مخاطر حدوث اضطرابات في المستقبل. وقد تؤدي الفجوة الآخذة في الاتساع بين الصورة الحداثية التي تصدرها الدولة وبين الواقع الاقتصادي والسياسي اليومي للمواطنين إلى تغذية موجات جديدة من الاحتجاج والمعارضة.

عبد الوفي العلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *