إسقاط تأميم “لاسمير”.. التوازنات المالية والتحكيم الدولي في مواجهة الأمن الطاقي.. كواليس جلسة التصويت بالبرلمان

ريحانة برس

رفض مجلس المستشارين المغربي مقترح قانون لتأميم مصفاة النفط “سامير” (لاسمبر)، بعد أن صوتت فرق الأغلبية الحكومية ضد المبادرة التشريعية.

وجاء هذا التصويت ليسدل الستار مؤقتاً على محاولة برلمانية قادتها نقابات معارضة لنقل أصول المصفاة الوحيدة في البلاد إلى ملكية الدولة.

فما هي تفاصيل هذا القرار، والأسباب الحقيقية التي تقف وراء الرفض الحكومي والبرلماني؟

شهدت غرفة مجلس المستشارين جلسة عامة حاسمة. حشدت فيها الأغلبية الحكومية أصواتها لإسقاط مقترحين تقدمت بهما نقابة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، الأول يتعلق بتأميم شركة “لا سامير”، والثاني بتسقيف أسعار المحروقات.

وجاءت نتيجة التصويت برفض المقترح بـ 29 صوتاً معارضاً يمثلون أحزاب الأغلبية، التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، إلى جانب ممثلي الاتحاد العام لمقاولات المغرب وفريق نقابة UGTM).

أما المؤيدون، فقد صوت 10 مستشارين فقط لصالح المقترح يمثلون الحركة الشعبية ونقابات المعارضة العمالية.

والممتنعون، فريق الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي اختار الامتناع عن التصويت.

هذا التصويت جاء بعد أيام قليلة من تمرير المقترح بشكل مفاجئ داخل لجنة المالية في غياب مستشاري الأغلبية، مما دفع الحكومة إلى التعبئة السريعة لإسقاطه في الجلسة العامة.

الأسباب الحقيقية وراء رفض تأميم “لاسمبر”

رغم الضغوط الشعبية والنقابية التي ترى في إعادة تشغيل المصفاة حلاً لخفض أسعار الوقود وحماية القدرة الشرائية، استندت الحكومة والأغلبية البرلمانية إلى أسباب اقتصادية وقانونية حقيقية وصارمة لرفض التأميم

1. أزمة الديون الضخمة المتراكمة

تخضع مصفاة “سامير” للتصفية القضائية منذ عام 2016 بسبب تراكم الديون التي تجاوزت مليارات الدولارات. وتعتقد الحكومة أن نقل ملكية المصفاة إلى الدولة يعني تلقائياً تحمل الميزانية العامة للدولة لهذه الديون الكارثية، وهو ما سيشكل ضغطاً مالياً هائلاً على حساب قطاعات حيوية أخرى كالتعليم والصحة والتشغيل.

2. الخوف من نزاعات التحكيم الدولي

الملف القانوني للشركة معقد للغاية، حيث دخلت الدولة في نزاعات قضائية وتحكيم دولي (لدى المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار) مع المالك السابق للشركة (مجموعة الملياردير العمودي). حيت ترى الأغلبية أن خطوة مثل “التأميم” قد تفهمها المحاكم الدولية كإجراء تعسفي أو مصادرة غير قانونية، مما قد يُضعف موقف المغرب القانوني ويكبده غرامات وتعويضات مالية دولية باهظة.

3. إرسال إشارات سلبية للمستثمرين الأجانب

يتبنى المغرب سياسة اقتصادية منفتحة قائمة على تشجيع القطاع الخاص وجلب الرساميل الأجنبية. وترى الحكومة أن العودة إلى سياسة “التأميم” (تمليك الدولة للشركات الخاصة) قد تعطي إشارة سلبية ومخيفة للمستثمرين الدوليين، مما يوحي بأن استثماراتهم غير آمنة وقد تتعرض للسيطرة الحكومية في أي وقت.

4. الكلفة العالية للتحديث وإعادة التشغيل

المصفاة متوقفة تماماً عن الإنتاج والعمل منذ عام 2015. هذا التوقف الطويل جعل منشآتها وآلياتها متهالكة وتحتاج إلى ميزانيات ضخمة جداً لإعادة الصيانة والتحديث التكنولوجي لتتواكب مع المعايير البيئية الحالية، وهي تكلفة إضافية لا ترغب الدولة في تحملها من أموال دافعي الضرائب.

 أبعاد النقاش المستمر

وجهة نظر النقابات والمعارضة، ترى أن تفكيك السيطرة الخاصة على قطاع تكرير البترول هو الطريقة الوحيدة لكسر احتكار شركات توزيع المحروقات وضمان تكوين احتياطي استراتيجي يحمي البلاد من تقلبات الأسواق العالمية.

أما وجهة نظر الحكومة، فهي تفضل عدم الدخول كفاعل تجاري مباشر في التكرير، والتركيز بدلاً من ذلك على تعزيز البنية التحتية لتخزين المواد البترولية المستوردة، وتشجيع الانتقال نحو الطاقة المتجددة كبديل استراتيجي بعيد المدى.

وترتكز وجهة نظر الجهات المطالبة بالتأميم (والتي تقودها النقابات العمالية، وجبهة إنقاذ المصفاة، وأحزاب المعارضة) على ضرورة تدخل الدولة لامتلاك وإعادة تشغيل مصفاة “سامير” (لاسمبر).

وترى هذه الجهات أن بقاء المصفاة مغلقة أو تركها للقطاع الخاص يضر بالمصالح العليا للبلاد، وتستند في ذلك إلى عدة مبررات قوية:

1. تحقيق الأمن الطاقي والسيادة الوطنية

تعتبر المعارضة والنقابات أن الطاقة مسألة سيادة وطنية لا يجب أن تخضع لمنطق الربح والخسارة التجاري. وجود مصفاة وطنية مشغلة يعني:

تأمين مخزون استراتيجي، بمعنى قدرة المغرب على تخزين كميات ضخمة من النفط الخام وتكريره محلياً، مما يحمي البلاد من أي انقطاع مفاجئ في الإمدادات العالمية جراء الحروب أو الأزمات السياسية.

تقليل التبعية للخارج، أي التوقف عن استيراد المواد الصافية (الغازوال والبنزين) الجاهزة بالعملة الصعبة، واستيراد النفط الخام الأقل كلفة وتكريره داخل البلاد.

2. خفض أسعار المحروقات وحماية المواطن

منذ تحرير أسعار المحروقات في المغرب، تشتكي النقابات من وجود “شبهة احتكار” وتحكم من طرف شركات التوزيع الكبرى في الأسعار. ويرى المؤيدون للتأميم أن إعادة تشغيل المصفاة سيوفر للأسواق المحلية وقوداً محلي الصنع بكلفة أقل، مما سيؤدي تلقائياً إلى:

كسر احتكار شركات التوزيع، عبر فرض أسعار منافسة وعادلة في السوق.

حماية القدرة الشرائية، عبر تخفيض أسعار الوقود ينعكس مباشرة بانخفاض تكاليف النقل وأسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية للمواطنين.

3. إنقاذ آلاف مناصب الشغل والخبرات الوطنية

تسبب توقف المصفاة في أزمة اجتماعية خانقة لآلاف العائلات. يرى المدافعون عن التأميم أن تدخل الدولة سيضمن:

حماية مصير العمال المستمرون والشركات المناولة، الذين يعيشون في وضعية عدم استقرار مالي واجتماعي منذ عام 2015.

الحفاظ على الثروة البشرية، بحماية وصيانة خبرات مهندسي وتقنيي التكرير المغاربة من الضياع أو الهجرة إلى الخارج.

4. حماية الأموال العامة المنهوبة (ديون الدولة)

الدولة المغربية (عبر إدارة الجمارك والضرائب ومؤسسات بنكية وطنية) هي الدائن الأكبر لمصفاة “لا سامير” بمليارات الدراهم. حيث يرى أصحاب مقترح التأميم أن:

ترك المصفاة للتصفية القضائية أو البيع الخارجي البخس قد يضيع على الدولة فرصة استرجاع ديونها.

تحويل هذه الديون المتراكمة إلى أسهم مملوكة للدولة (مقايضة الديون بالأصول) هو الحل الأمثل لاستعادة أموال الشعب والاستفادة من البنية التحتية الضخمة للمصفاة بدلاً من تركها تتآكل.

5. المساهمة في التنمية الاقتصادية لمدينة المحمدية

تعتبر المصفاة القلب الاقتصادي النابض لمدينة المحمدية والمناطق المجاورة لها. وإعادة تشغيلها بقرار سيادي وتأميمها سيعيد الروح للحركة التجارية والاقتصادية بالمنطقة، وينعش الرواج التجاري بالميناء النفطي للمدينة.

عبد الوفي العلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *