بين عدسة الكاميرا وخيال المفسرين كيف صنعت تحالفات لم تولد أصلا
ريحانة برس/ سيداتي بيدا
في السياسة كما في الحياة، ليست كل صورة مشروع انقلاب، وليست كل مصافحة إعلاناً لتحالف جديد. لكن يبدو أن بعض هواة القراءة بين السطور لم يعودوا يكتفون بالنصوص، فانتقلوا إلى تفكيك الابتسامات وتحليل زوايا الجلوس وعدّ المقاعد المحجوزة في الصور الجماعية، وكأن مستقبل البلاد يُكتب بعدسات الهواتف أكثر مما يُصنع داخل المؤسسات.
الضجة التي أثارتها الصور الملتقطة على هامش ملتقى طنجة الأخير تكشف، في الحقيقة، عن أزمة تأويل أكثر مما تكشف عن أي متغير سياسي حقيقي. فبمجرد ظهور شخصيات وازنة من الأقاليم الجنوبية تنتمي إلى أحزاب مختلفة في فضاء واحد، انطلقت ماكينة التوقعات لتنسج سيناريوهات وتحالفات وتفاهمات سرية لا وجود لها إلا في مخيلة أصحابها.
والحال أن المشهد الذي حاول البعض تقديمه باعتباره حدثاً استثنائياً ليس سوى صورة عادية لواقع سياسي قائم منذ سنوات. ففي الصحراء المغربية، اعتادت النخب المنتخبة والفاعلون الترابيون العمل ضمن منطق يتجاوز الاصطفافات الحزبية الضيقة عندما يتعلق الأمر بقضايا التنمية والاستثمار والدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمنطقة.
المفارقة أن الذين يتحدثون اليوم عن “تحالف جديد” يتصرفون وكأنهم اكتشفوا قارة سياسية مجهولة، بينما يعرف المتابعون للشأن المحلي أن التنسيق بين مختلف الفاعلين بالأقاليم الجنوبية لم يكن يوماً سراً ولا طارئاً. الجديد الوحيد ربما هو أن عدسات الكاميرات التقطت هذه المرة ما كان يحدث دائماً أمام الجميع.
إن اختزال لقاءات من هذا النوع في حسابات انتخابية مبكرة يعكس فهماً محدوداً لطبيعة التحولات التي تعرفها الأقاليم الجنوبية. فالرهانات المطروحة اليوم أكبر من سباق المقاعد وأوسع من حسابات الانتخابات القادمة. إنها رهانات مرتبطة بجذب الاستثمارات وتعزيز الدبلوماسية الترابية وترسيخ المكانة المتقدمة التي باتت تحتلها الصحراء داخل النموذج التنموي الوطني.
كما أن الصور نفسها تكشف جانباً آخر لا يقل أهمية، يتمثل في التعايش بين جيل راكم الخبرة السياسية وجيل جديد بدأ يفرض حضوره بهدوء داخل دوائر القرار المحلي. وهو انتقال طبيعي للنخب، يجري دون ضجيج ودون تلك الصراعات التي يتمنى البعض رؤيتها حتى يبرر توقعاته المسبقة.
لذلك، فإن صور طنجة لا تعلن ميلاد تحالفات جديدة، ولا تحمل أسراراً سياسية مدفونة. إنها ببساطة تعكس واقعاً قائماً منذ زمن تنافس انتخابي عندما تقتضي الديمقراطية ذلك، وتنسيق استراتيجي عندما تفرضه مصلحة الوطن. أما ما تبقى من روايات، فليس سوى اجتهادات موسمية يستهلكها أصحابها بسرعة أكبر مما يلتقطون الصور نفسها.