المقررة الأممية مارغريت ساترثويت ومشروع قانون المحاماة بالمغرب66ـ23، تفكيك لملاحظات “استقلالية المهنة”
ريحانة برس/ عبد الوفي العلام
شهدت الساحة الحقوقية والمهنية في المغرب حراكاً واسعاً إثر تداول تفاصيل المراسلة الرسمية التي وجهتها “مارغريت ساترثويت” ، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، إلى السلطات المغربية.
المراسلة المؤرخة في 24 فبراير 2026 حملت ملاحظات وانتقادات دقيقة حول النسخة الأولى من مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة، والذي صاغته وزارة العدل قبل أن تتدخل رئاسة الحكومة لفرملة مساره التشريعي مؤقتاً عقب احتجاجات مهنية عارمة.
تبدد هذه الوثيقة الأممية المكونة من خمس صفحات باللغة الفرنسية الكثير من الغموض حول الخلفيات الدولية التي واكبت “الأزمة الصامتة” بين المحامين ووزارة العدل المغربية، وتضع التزامات المغرب الكونية بمحك حقيقي أمام استقلالية القضاء وحق الدفاع.
فما هو أبعاد التدخل الأممي، وأين يكمن الخلل في مشروع القانون؟
ركزت ملاحظات المقررة الأممية على مجموعة من المواد الحساسة في مشروع القانون خاصة المواد من 10 إلى 15، واعتبرت أن المقاربة التي تبناها المشروع تمس بالعمق جوهر استقلالية مهنة المحاماة عبر ثلاثة تمظهرات أساسية:
1. هيمنة السلطة التنفيذية على التكوين والتقييم
فقد انتقدت “ساترثويت” منح دور محوري واسع لوزارة العدل، في مجالات التكوين، التدريب، وتقييم المحامين المتمرنين. ووفقاً للمنظور الأممي، فإن تغلغل السلطة التنفيذية في إدارة شؤون الولوج إلى المهنة يبتعد عن “مبادئ هافانا التوجيهية بشأن دور المحامين”، والتي تؤكد على ضرورة إشراف الهيئات المهنية المستقلة ذاتياً على شؤونها الداخلية دون وصاية حكومية.
2. غياب المقاربة التشاركية
الوثيقة سجلت غياب التنسيق والحوار الكافي مع المخاطَبين الرئيسيين بالقانون، وعلى رأسهم “جمعية هيئات المحامين بالمغرب”. واعتبرت ساترثويت أن صياغة قوانين منظمة لقطاع العدالة دون إشراك حقيقي للأطراف المعنية يضعف من شرعية النص القانوني وملاءمته للواقع العملي.
3. تهديد حق الدفاع والولوج المستنير للعدالة
ايضا مارغريت نبهت إلى أن أي تضييق على استقلالية المحامي، أو جعل المسار المهني خاضعاً لتقييمات وتوازنات إدارية وسياسية، ينعكس سلباً وبشكل تلقائي على حقوق المتقاضين وحقهم في محاكمة عادلة تكفل تكافؤ الفرص أمام سلطة الاتهام.
فما هي مطالب الأمم المتحدة الثلاثة من الحكومة المغربية؟
اختتمت المقررة الأممية رسالتها بتوجيه ثلاثة طلبات مستعجلة للحكومة المغربية لتقديم توضيحات رسمية.
أولاً، تمكين مكتب المقررة الخاصة من كافة المعطيات والتفاصيل التقنية والمفيدة المحيطة بنصوص المشروع رقم 66.23.
ثانياً، تقديم تفسير واضح ومكتوب حول الكيفية التي تعتزم بها المملكة المغربية ملاءمة هذا القانون مع التزاماتها الدولية المعنية بحقوق الإنسان واستقلال المرفق القضائي.
ثالثاً، تقديم الأدلة والمعطيات التي تثبت قيام الحكومة بالإجراءات اللازمة لفتح نقاش عمومي وإشراك الهيئات المهنية للمحامين في تعديل وصياغة النص.
المراقبون الحقوقيون يرون أن هذه المراسلة الأمميّة هي التي تفسر بشكل مباشر خلفية الخطوة المفاجئة التي أقدم عليها رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، حينما قرر سحب ملف قانون المحاماة من يد وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، وتشكيل لجنة مشتركة مع جمعية هيئات المحامين لمراجعة المسودة وتعديلها قبل إحالتها مجدداً على البرلمان.
أما الملاحظات التي صاغتها مارغريت ساترثويت لا تهم المحامين المغاربة ووحدتهم المهنية فحسب، بل تمثل تذكيراً دورياً من المنتظم الدولي بأن استقلال مهنة المحاماة ليس امتيازاً فئوياً للمحامين، بل هو الضمانة الدستورية الأولى لحماية حقوق المواطنين وحرياتهم.