الرصيف ليس قدراً للفقراء حينما تتحول المأساة إلى نظام صامت لتبرئة المسؤولين
ريحانة برس/ سيداتي بيدا
ليس أخطر ما في المأساة أن يموت إنسان على الرصيف، بل أن يتحول مشهد السقوط الإنساني إلى صورة مألوفة لا تثير سوى لحظات عابرة من الحزن قبل أن يبتلعها النسيان.
في كل مرة تهز الرأي العام صورة رجل أنهكه المرض أو امرأة أرهقها التشرد أو مواطن سحقه الفقر، تتسابق التفسيرات الجاهزة قبل أن تبدأ الأسئلة الحقيقية. يقال إنه كان مختلاً نفسياً، أو متشرداً، أو يعيش ظروفاً خاصة. وكأن هذه الأوصاف أصبحت صكوك براءة توزع تلقائياً على كل الجهات التي كان يفترض أن تتدخل قبل أن تقع الكارثة.
غير أن المأساة لا تبدأ لحظة السقوط، بل تبدأ حين يُترك الإنسان وحيداً في مواجهة هشاشته.
فإذا كان الضحية يعاني اضطرابات نفسية، فأين منظومة الرعاية والعلاج والمواكبة؟ وإذا كان غارقاً في الفقر، فأين برامج الحماية الاجتماعية التي ترفع شعارات الكرامة والإدماج؟ وإذا كان بلا مأوى، فمن المسؤول عن تركه فريسة للشارع والجوع والبرد والإهمال؟
إن المجتمع الذي يبرع في تفسير المآسي بعد وقوعها أكثر مما يبرع في منعها، مجتمع مطالب بإعادة النظر في أولوياته. فالفقر ليس جريمة، والمرض النفسي ليس تهمة، والتشرد ليس اختياراً حراً في أغلب الأحيان، بل نتيجة مسارات معقدة من الإقصاء والتهميش والعجز المؤسساتي عن احتضان الفئات الأكثر هشاشة.
المؤلم أن ردود الفعل غالباً ما تأتي متأخرة. تتحرك الضمائر بعد انتشار الصور، وترتفع الأصوات بعد استفحال المأساة، وتصدر البلاغات بعد أن يكون الضحية قد دفع الثمن كاملاً. أما المسؤوليات الحقيقية فتظل معلقة بين التبرير والصمت وتبادل الاختصاصات.
لسنا أمام حوادث معزولة بقدر ما نحن أمام مؤشرات تستوجب وقفة جماعية صادقة. فكرامة الإنسان لا تقاس بحجم نفوذه ولا بمكانته الاجتماعية، بل بمدى قدرة الدولة والمجتمع على حماية الأضعف قبل أن يصبح مادة لخبر عابر أو صورة مؤلمة على منصات التواصل.
ويبقى السؤال الأكثر إزعاجاً: كم من إنسان آخر يجب أن يسقط على قارعة الطريق حتى ندرك أن الخلل لا يكمن دائماً في الضحية، بل في منظومة كاملة اعتادت إدارة المأساة بعد وقوعها، بدل منعها قبل أن تبدأ؟