الإثراء غير المشروع عندما يتحول الصمت التشريعي إلى مظلة لحماية الثروات المشبوهة

ريحانةبرس/ سيداتي بيدا

عاد ملف تجريم الإثراء غير المشروع ليطفو على سطح النقاش العمومي بالمغرب، حاملاً معه أسئلة محرجة ومؤجلة منذ سنوات حول مصير أحد أهم القوانين المنتظرة في معركة محاربة الفساد. فكلما ارتفعت الأصوات المطالبة بالشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، عاد السؤال نفسه بإلحاح أكبر: من المستفيد من استمرار غياب هذا القانون؟

إن تجريم الإثراء غير المشروع لا يستهدف أصحاب الثروات المشروعة ولا يعاقب النجاح الاقتصادي، بل يضع حداً لمنطق الإفلات من المساءلة عندما تتضخم الثروات بشكل لافت دون مبررات قانونية أو مصادر دخل واضحة. لذلك اعتُبر هذا المقتضى في العديد من الدول أداة أساسية لحماية المال العام وتعزيز النزاهة داخل المؤسسات.

غير أن سحب مشروع القانون الجنائي سنة 2021، والذي كان يتضمن مقتضيات خاصة بالإثراء غير المشروع، فتح الباب أمام موجة واسعة من الانتقادات والتساؤلات. فالتبريرات الرسمية تحدثت عن ضرورة مراجعة بعض المواد بما يضمن احترام قرينة البراءة والحقوق الدستورية، لكن مرور السنوات دون تقديم بديل تشريعي ملموس جعل تلك التبريرات تفقد الكثير من قوتها أمام الرأي العام.

الواقع أن الإشكال لم يعد قانونياً فقط، بل أصبح مرتبطاً بالإرادة السياسية نفسها. فمحاربة الفساد لا تُقاس بعدد الخطب والوعود، بل بمدى الجرأة على سن قوانين تضع الجميع تحت سقف المساءلة دون استثناء. وعندما يتأخر قانون بهذا الحجم والأهمية، فإن الشكوك تتسع حول وجود مقاومة صامتة لكل آلية قد تكشف مصادر الثراء الغامض أو تفرض رقابة حقيقية على تدبير الشأن العام.

الأخطر من ذلك أن استمرار هذا الفراغ التشريعي يضعف ثقة المواطنين في جدية الإصلاحات المعلنة، ويغذي الانطباع بأن مكافحة الفساد لا تزال تتحرك بسرعة الخطاب السياسي أكثر مما تتحرك بسرعة التشريع والتنفيذ. فكل يوم يمر دون إقرار آليات فعالة للمحاسبة يمنح الفساد مساحة إضافية للتكيف والتمدد وإعادة إنتاج نفسه بأشكال جديدة.

إن الدول التي نجحت في تضييق الخناق على الفساد لم تفعل ذلك بالشعارات، بل بقوانين واضحة وإجراءات صارمة ومساءلة لا تعترف بالنفوذ أو الحصانة غير القانونية. لذلك يبقى تجريم الإثراء غير المشروع اختباراً حقيقياً لمدى استعداد الدولة للانتقال من مرحلة إعلان النوايا إلى مرحلة الفعل الحاسم.

ويبقى السؤال معلقاً أمام الرأي العام: هل سيظل قانون الإثراء غير المشروع رهين التأجيل والمراجعات المفتوحة، ويبقى الجسم في تحريم الإثراء غير المشروع اكثر من مجرد تعديل قانوني ،انه امتحان حقيقي لمدى جدية ربط السلطة بالمحاسبة ،واشارة واضحة إلى أن زمن الثروات المجهولة المصدر لا يمكن ان يستمر في دولة تجعل من النزاهة وسيادة القانون خيارا لا رجعة فيه .

عبد الوفي العلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *