علم النفس المهني : تأثير الروح المعنوية للعمال على الأداء
ريحانة برس – الدكتور خليل الناصري
عضو المركز المغربي للوساطة
مدير إقليمي لوزارة الإدماج الاقتصادي و المقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات ومفتش الشغل
لعلم النفس مجالات تطبيقية عديدة من بينها علم النفس المهني أو علم النفس الصناعي و الذي يتوخى خلق بيئة عمل متزنة و فعالة بهدف رفع المردودية و زيادة الكفاية الإنتاجية للعمال من خلال الاهتمام بجودة الحياة المهنية للعنصر البشري في مجال العمل و ليس فقط بتجويد و تطوير الآلات و المعدات و التقنيات التكنولوجية .
و اعتبار لكون العمل نشاطا إنسانيا لا يتوقف عند حدود المجال الصناعي ، و انما يتجاوزه الى مجالات تنظيمية و مهنية أخرى: تجارية ، و زراعية و إدارية و عسكرية و رياضية …، فإن استخدام مصطلح ” علم النفس المهني ” أو “سيكولوجية المهن ” psychologie occupationnelle الذي يهتم بدراسة كيفية تأثير العمل والأنشطة اليومية على العقل والسلوك يصبح أعم و أشمل من مجال علم النفس الصناعي psychologie industrielle الذي يعنى بدراسة السلوك البشري في بيئة العمل، حيث إن مجال المهن واسع و يتكون من أجزاء متباينة تمثل الصناعة واحدا منها ، كما أن المصنع مفهوم أضيق من مفهوم الصناعة ، و لا يمثل المصنع بوصفه تنظيما اجتماعيا أو مؤسسة الظاهرة الصناعية أو المهنية الوحيدة .
و يعد علم النفس المهني من العلوم الغنية التي تجمع مختلف الفروع العلمية كعلوم الإدارة والقياس والتقويم وعلم النفس الاجتماعي وغيرها من العلوم التي تخدم أهداف علم النفس المهني ـ و هو أيضا الميدان الذي يعنى بدراسة العمل من مختلف جوانبه باعتباره نشاطا إنسانيا و يستحضر نظريات علم النفس و تطبيقاتها على واقع و مشاكل المهن و الأعمال المختلفة في المصنع و الحقل و المتجر … و دراسة التفاعلات بين عناصر كل تنظيم و العلاقات التي تربطهم بالتوازي مع أداء ادوارهم في العمل سواء في شكلها الأفقي أو العمودي أو مع الغير بمناسبة تنفيذ أعمالهم أو بسببها.
و من ضمن ما يتناوله علم النفس المهني بالدراسة و التحليل الروح المعنوية للعمال ، و هي الحالة الذهنية التي تؤثر على رغبتهم في العمل و على مستوى أدائهم و تأثيراتها الفردية والجماعية و علاقتها بمستوى تحسين الإنتاجية و تقليل التوتر، وتعزيز الصحة النفسية للعمال.
إن غياب الإدراك لدى الإدارة أو تجاهلها بأن استئجار العاملين للعمل في جهل تام بماهية عملهم و أهدافه و لمن هو موجه هي مفارقة مناقضة للمنطق و العقل ، فعلى الرغم من أن الناس قد يلتحقون بالعمل بتأثير الوعود بدوام الأجور أو ارتفاعها ، و بنظم الحماية الاجتماعية و كل التحفيزات المادية ، فهم لا يشعرون بالرضى النفسي و التفاعل الإيجابي مع المحيط المهني و مع ظروف العمل إلا حين إرضاء حاجياتهم ككائنات إنسانية ، بمعنى الرفع من روحهم المعنوية داخل الجماعة.
و تتجلى الروح المعنوية للعمال بالثقة في الجماعة و بثقة الفرد بدوره في الجماعة ، و بالإخلاص للجماعة و بإخلاص الجماعة للفرد و بالاستعداد للبدل من أجل أهداف الجماعة و السعي نحو الرفع من الروح المعنوية لجماعة من خلال التقليل من المشاحنات بين أعضائها و تمسكهم بأدوارهم داخلها و بتصديهم الدائم للأسباب الفردية و الجماعية الأفقية و العمودية للخلاف و الفرقة .
و من مظاهر الروح المعنية للعمال:
الكفاية الإنتاجية و تطورها :
من أهم مظاهر الروح المعنوية في العمل ثبات الإنتاج سواء كان ماديا أو إداريا عند حد معقول وفق النسب المقررة ، و أي زيادة في تكاليف الإنتاج و قلة الجودة أو في ارتفاع المجهود دون تطور النتائج تعتبر دليلا على انخفاض الروح المعنوية و ضعف الإدارة في تكريسها .
الاستمرارية :
وهي وجود الرغبة في الاستمرار في العمل لدى المؤسسة و الشعور بالانتماء اليها والرهان عليها في بناء مسار مهني دون غيرها يدل على وجود العوامل المساعدة على الاحتفاظ بالروح المعنوية ، بينما ارتفاع معدل المغادرين منها أو الراغبين في ذلك دليل على انخفاض الروح المعنوية أو انعدامها.
التفاعل مع التظلمات:
يجب أن يترسخ لدى الإدارة اعتقاد راسخ بضرورة تماسك الجماعة و عدم تفرقها لكونها وحدات العمل ، و كلما اجتهدت في ازالت أسباب التوتر الداخلي البسيط ساهمت بشكل كبير في الاحتفاظ بروح معنوية عالية ، و بالتالي يلزمها التجاوب مع الشكايات التي تصلها و التي تكون مقياس لحالة التذمر الحقيقية بين العمال بغض النظر عن كونها حقيقية أو غير ذلك .
و تفيد النظرة الجدية من الإدارة للشكاوى و التظلمات ليس فقط في تحقيق حالات من الاتزان داخل الجماعة ، و انما تساعدها كذلك في الاطلاع على أمور أخرى كالشطط و المحسوبية و التستر على الأخطاء.
التواصل :
يسعى أفراد الجماعة العاملين إلى أن تصل آراؤهم و مطالبهم و اقتراحاتهم الى المستويات الإدارية العليا و أن يكونوا على اطلاع دائم في حدود مهامهم على ما يجري في المؤسسة آنيا و مستقبلا ، و لا يمكن أن يتحقق ذلك دون وجود نظام تواصل دائم وصادق يرفع من الروح المعنوية للعاملين.
أسلوب القيادة :
يأثر أسلوب القيادة بشكل كبير في الروح المعنوية للعاملين ، فالقيادة الديمقراطية تأدي في المدى القريب و البعيد على زيادة الإنتاج و المردودية و انجاز المهام و رفع الروح المعنوية .و أية قيادة غير ذلك قد تؤدي إلى خفض الروح المعنية و عدم بلوغ النتائج المتوخاة .
الشعور بأهمية العمل المؤدى :
يرتبط الرفع من الروح المعنوية بشعور كل عامل داخل الجماعة بأهمية عمله أو مهامه التي يقوم بها ، و بكونها عنصرا أساسيا في نجاح النشاط الكلي للمؤسسة في مجمله . و يترسخ هذا الشعور من خلال تفاعل إدارته في العمل مع ما أداه سواء بالموافقة الكلية أو الجزئية ، وكذلك بالتنويه والتشجيع و من قبل الجماعة كذلك .
دور المشرف على العمال :
إن الفلسفة الإنسانية التي تحدد النموذج العام لسلوك المشرف على العمال فيما يخص قراراته و تفاعلاته تجعل منه صانع الروح المعنوية بين صفوفهم اعتبارا لكونه صلة الوصل بين الإدارة و العمال العاملين تحث اشرافه.
الإيمان بالأهداف العامة :
حين يتم تحديد الأهداف العامة للمؤسسة تحديدا واضحا و تسطر أدوار العاملين بها بشكل جيد يتماشى و هذه الأهداف فإن الروح المعنوية للعاملين ترتبط بدرجة اقتناعهم و ايمانهم بهذه الأهداف.
الترقي و الإستحقاق :
تتأثر الروح المعنوية بشعور العامل بأن أمامه فرصا للترقي على أساس الكفاءة و الاستحقاق .
الشعور بالقيمة الإنسانية :
على الإدارة أن تدرك أن كل عامل يريد العمل في ظروف انسانية و ان يتماشى أسلوب تعاملها مع شعوره بقيمته كإنسان . بالإضافة الى ان العامل يهمه ان يعمل تحت ظروف عمل لا تعرضه للأذى النفسي أو الجسدي و بما يتلاءم مع وضعه الصحي و سنه.
الأجور العادلة :
إن وجود سياسة عادلة للأجور و التحفيزات و المكافآة المادية في المؤسسة و تناسيها مع طبيعة العمل و مسؤولياته و الجهد المبذول في انجازه ترتبط ارتباطا وثيقا بالروح المعنوي للعاملين بها و هو ما من شأنه المساعدة في الرفع من الروح المعنوية للعاملين.
و في الأخير فإن الإدارة الجيدة في أي مؤسسة ملزمة بالإطلاع الجيد و المعمق على الروح المعنوية للعاملين بها و رفعها عن طريق متابعة تفاعلاتهم و سلوكاتهم أثناء العمل و خلال فترات الراحة و عن طرق ملاحظاتهم و تنظيماتهم و عن طريق ما يحرره المشرفين عليهم من تقارير ، كما يلزم الإدارة تشجيع العمال على التعبير على مشاعرهم بأمانة ، حيث ينزع العامل حين تكون روحه المعنوية منخفضة الى كثم مشاعره و اتجاهاته و أفكاره و بالتالي تنخفض المردودية و ينعدم الإبداع و العطاء.