سناء مطر عندما يتحول الزجل إلى موقف ثقافي في مواجهة الرداءة

ريحانةبرس/ سيداتي بيدا

في زمنٍ أصبحت فيه المنصات الرقمية تصنع نجوماً من العابرين، وتمنح الضجيج قيمةً تفوق أحياناً قيمة الإبداع نفسه، تبرز الزجالة المغربية سناء مطر بوصفها تجربة أدبية اختارت الطريق الأصعب: طريق الكلمة العميقة، والرهان على المعنى بدل الاستهلاك السريع. فهي لا تقدم الزجل باعتباره ترفاً لغوياً أو استعراضاً صوتياً عابراً، بل باعتباره فعلاً ثقافياً واعياً، يحمل رؤية جمالية وفكرية تتجاوز حدود الفرجة المؤقتة.

ولعل مشاركتها الثانية ضمن فئة الكبار في مسابقة وطن الإبداع والمبدعين للإلقاء الشعري والزجلي لم تكن مجرد حضور تنافسي عادي، بل تأكيداً جديداً على أن بعض الأصوات ما تزال تؤمن بأن الإبداع مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون وسيلة للانتشار أو صناعة الصورة الإعلامية. فوسط مشهد ثقافي يزداد انجرافاً نحو التفاهة المقنّعة بالإثارة، تواصل سناء مطر الدفاع عن جوهر الزجل المغربي باعتباره فناً يرتبط بوعي الإنسان وأسئلته الوجودية والاجتماعية، لا مجرد كلمات موزونة تُستهلك ثم تُنسى.

إن ما يمنح هذه التجربة خصوصيتها لا يرتبط فقط بجمالية النصوص أو قدرتها على بناء صور شعرية مكثفة، وإنما بذلك الوعي النقدي العميق بوظيفة الأدب داخل المجتمع. فهي تدرك أن الزجل المغربي لم يكن في يوم من الأيام فناً هامشياً أو خطاباً للتسلية العابرة، بل كان دائماً مرآةً للتحولات الاجتماعية ولساناً ينقل نبض الناس وآلامهم وأحلامهم. ومن هنا تأتي قصائدها مشبعةً بحرارة التجربة الإنسانية، متحررةً من الزخرفة اللغوية الفارغة التي أفرغت كثيراً من النصوص المعاصرة من روحها الحقيقية.

أما على مستوى الإلقاء، فإن سناء مطر تمتلك حضوراً فنياً يندر في زمن الأداء المصطنع. فهي لا تلقي القصيدة بقدر ما تعيشها وتعيد تشكيلها أمام الجمهور. صوتها لا يتحول إلى أداة للعرض، بل إلى امتداد عضوي للمعنى، حيث تتداخل النبرة بالإيقاع والانفعال لتصنع لحظة أدبية تستعيد هيبة المنصة الثقافية، وتعيد للكلمة وزنها الرمزي الذي كاد أن يضيع وسط فوضى المحتوى السطحي.

وفي مقابل هذا الاجتياح المتسارع لثقافة التفاهة، تبدو تجربة سناء مطر أشبه بموقف ثقافي واضح ضد الابتذال وضد تحويل الفن إلى سلعة استهلاكية فاقدة للروح. إنها تراهن على الأدب الذي يوقظ الوعي، وعلى الزجل الذي يملك القدرة على مساءلة الواقع وإعادة الاعتبار لقيمة الجمال والمعنى.

هكذا تواصل سناء مطر بناء مشروعها الإبداعي بثبات واتزان، مؤكدة أن الكلمة الصادقة ما تزال قادرة على مقاومة الضجيج، وأن الزجل المغربي، حين يحمله صوت يمتلك الوعي والموهبة، يظل فناً قادراً على الحياة والتأثير .

عبد الوفي العلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *