فيديو/ توقيف أب وابنه بالحنشة بجماعة أبي القنادل، بعد رفض إفراغ أرضهما واقتلاع أشجار الأفوكا

ريحانة برس _ الرباط 

 لم تكن صرخة ذلك الفلاح المغربي المقهور لحظة اقتياده، مجرد جملة عابرة في شريط مصوَّر. كانت، في معناها الأعمق، سؤالا يخرج من التراب نفسه؛ كيف يمكن لرجل أن يشعر بأنه غريب في الأرض التي وُلد فيها وورثها واشتغل فيها، وربما عاش عمره كله وهو ينظر إليها باعتبارها آخر ما تبقى له من معنى؟

 «صوّر، صوّر…»؛ كأنه كان يعرف أن الكاميرا قد تكون آخر شاهد حين يصبح الكلام متعبا، وحين يجد الفلاح نفسه في مواجهة سلطة أقوى منه، لا يملك أمامها سوى أن يترك صورته للناس ويترك للأرض أن تحكي بقية القصة.

 القضية هنا ليست فلاحا واحدا ولا شجرة واحدة، ولا حتى ثمرة أفوكادو. القضية هي من يملك حق تقرير ما الذي يزرعه المغربي فوق أرضه؟

فالأفوكادو لم تعد مجرد فاكهة في النقاش المغربي.

لقد أصبحت عنوانا لصراع أكبر حول الأرض والماء والاستثمار والسيادة الغذائية. فمنذ سنوات، دخلت شركات إسرائيلية إلى مجال زراعة الأفوكادو بالمغرب واستحوذت عليه. وفي المقابل، حذّر فاعلون فلاحيون من استنزاف الموارد المائية ومن منح الاستثمارات الكبرى ما لا يستطيع الفلاح الصغير الحصول عليه.

 وهنا تتسع المفارقة حتى تكاد تصبح جارحة. حين يُقال للفلاح المغربي المحلي، الماء شحيح والفرشة المائية في خطر. وعليك أن تحسب كل قطرة، فهذا مفهوم في بلد يعيش ضغطا مائيا حقيقيا. لكن السؤال الذي لا يجوز دفنه تحت التراب هو هل تطبق القاعدة نفسها على الجميع؟ هل تصبح قطرة الماء جريمة حين يستعملها الفلاح الصغير، وتتحول إلى «استثمار» حين تدخل في مشروع إسرائيلي كبير؟

هل الأرض المغربية وطنٌ للفلاح فقط عندما يُطلب منه أن يؤدي الضرائب ويحتمل الجفاف وارتفاع تكاليف الزراعة، ثم تصبح فجأة مجالا مفتوحا لرأس المال الأجنبي عندما يتعلق الأمر بالإنتاج والتصدير؟

 ثم نصل إلى السؤال الأكثر استفزازا، وربما الأكثر ضرورة؛ هل صار الأفوكادو حراما على أبناء الشعب المغربي أن يملكوها أو يزرعوها لحسابهم الخاص، إلا بموافقة خاصة من «إسرائيل»؟

 بالطبع، ليس المقصود من السؤال الادعاء بأن هناك قانونا مغربيا يمنع المواطن من زراعة الأفوكادو بموافقة “إسرائيل”. لكن السؤال السياسي الذي يختبئ خلف هذه المفارقة مشروع تماما، لماذا يستطيع الاستثمار الإسرائيلي أن يجد لنفسه موطئ قدم في الفلاحة المغربية، بينما يشعر الفلاح المغربي أن أرضه ومائه وقراره الزراعي لم تعد ملكا له بالقدر الذي ينبغي؟

 هنا بالضبط ينبغي أن يتوقف النقاش عند حدود أعمق من مجرد «إسرائيل» و«الأفوكادو». فالقضية في جوهرها قضية كرامة فلاح.

فحين يخرج رجل من أرضه إلى الحبس، لا ينبغي أن يكون أول سؤالنا من معه ومن ضده؟ بل ينبغي أن نسأل؛ ماذا حدث حتى أصبح الفلاح في وطنه، مضطرا إلى الصراخ: صوّروني؟

صوّروا الرجل. صوّروا الأرض. صوّروا الأشجار. صوّروا لحظة خروج الفلاح من أرضه. ثم اسألوا لمن تكون الأرض حين يصبح صاحبها هو الحلقة الأضعف؟

فالسيادة لا تُقاس فقط بمن يرفع العلم فوق الحدود، وإنما أيضا بمن يملك القرار فوق التراب ومن يقرر أين يزرع وماذا يزرع ولمن يذهب الماء، ومن يستفيد من خيرات الأرض.

 والفلاح الذي يقول: «هذه أرضي» لا ينبغي أن يُسمع صوته باعتباره مشاغبا أو بلطجيا. ينبغي أن يُسمع باعتباره مواطنا يسأل عن أبسط حق يمكن أن يسأل عنه إنسان:

إذا كانت الأرض أرضي، والماء ماء بلادي، فلماذا أشعر أحيانا أن القرار الزراعي لم يعد قراري؟

عبد الوفي العلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *