العقارب التي أربكت السياسات بالمغرب
ريحانة برس/ سيداتي بيدا
في بعض الأحيان، لا تحتاج القضايا الكبرى إلى أزمات معقدة حتى تكشف حدود السياسات العمومية؛ تكفي ساعة واحدة لتفتح نقاشاً امتد سنوات وشغل الرأي العام أكثر مما فعلت ملفات كثيرة أكبر حجماً وأشد تعقيداً.
ومع إعلان العودة إلى التوقيت القانوني للمملكة ابتداءً من شتنبر 2026، يُطوى فصل طويل من الجدل الذي رافق اعتماد الساعة الإضافية، وهو جدل تجاوز الأرقام والتقارير التقنية ليصبح جزءاً من النقاش اليومي للمغاربة حول علاقتهم بالزمن وتنظيم حياتهم الاجتماعية والمهنية.
لقد قُدمت على مدى السنوات الماضية مبررات متعددة لتبني هذا الخيار، ارتبطت في معظمها باعتبارات اقتصادية وتنظيمية وتدبيرية. غير أن النقاش العمومي كشف في المقابل أن تقييم أي قرار لا يتوقف فقط عند مؤشرات الأداء والنجاعة، بل يشمل أيضاً أثره على الحياة اليومية للمواطنين ومدى انسجامه مع خصوصيات المجتمع وإيقاعه الطبيعي.
ومن المفارقات اللافتة أن موضوعاً يبدو بسيطاً في ظاهره استطاع أن يحجز مكاناً دائماً في النقاشات العامة. فبين مؤيد يرى فيه خياراً عملياً، ومعارض يعتبره عبئاً إضافياً على تفاصيل الحياة اليومية، استمرت الأسئلة مطروحة دون أن تفقد راهنيتها.
لقد أظهر هذا الملف أن السياسات العمومية لا تُختبر فقط داخل المكاتب وقاعات الاجتماعات، بل تُختبر كذلك في الشوارع والمدارس ووسائل النقل وداخل البيوت. فهناك تتجلى النتائج الحقيقية لأي قرار، بعيداً عن لغة المؤشرات المجردة والأرقام الجامدة.
ولا يتعلق الأمر هنا بصواب طرف وخطأ آخر بقدر ما يتعلق بأهمية الإصغاء المتبادل بين صناع القرار والمجتمع. فكل تجربة عمومية، مهما كانت أهدافها نبيلة أو مبرراتها قوية، تظل بحاجة إلى مراجعة مستمرة وإلى قدرة على التكيف مع التحولات والانتظارات المجتمعية.
إن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذا النقاش الطويل هو أن نجاح السياسات لا يقاس فقط بسلامة منطقها الإداري، بل أيضاً بمدى قدرتها على كسب القبول المجتمعي وتحقيق التوازن بين ضرورات التدبير ومتطلبات الواقع اليومي.
وهكذا، تعود العقارب إلى موقع مختلف، لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في تغيير التوقيت نفسه، بل في الرسالة التي يبعثها أي قرار عمومي حين يظل منفتحاً على التقييم والمراجعة والتطوير. فالحكامة الرشيدة ليست في الإصرار على الاختيارات، وإنما في امتلاك الشجاعة الكافية لإعادة النظر فيها كلما استدعت المصلحة العامة ذلك.