الدواء في المغرب… بين منطق السوق وواجب الدولة

  • الكاتب : سيداتي بيدا
  • بتاريخ : 30 أبريل، 2026 - 15:42
  • ريحانة برس

    في الوقت الذي تُرفع فيه شعارات تعميم الحماية الاجتماعية، يكشف واقع سوق الدواء في المغرب عن مفارقة صارخة مفادها أن العلاج لم يعد حقاً مضموناً، بل امتيازاً مشروطاً بالقدرة على الدفع. فالمواطن المغربي لا يواجه المرض فقط، بل يصطدم أيضاً بمنظومة تسعير تُثقل كاهله وتضع صحته على محك الإمكانيات المادية.

     

    ليس خافياً اليوم أن أسعار عدد من الأدوية في المغرب تفوق نظيراتها في دول أخرى، بما في ذلك دول أكثر تقدماً من حيث مستوى الدخل. هذا الوضع لم يعد قابلاً للتبرير، بل يعكس اختلالات بنيوية عميقة داخل سوق الدواء، حيث تتضخم هوامش الربح، وتبقى آليات الضبط والمراقبة دون الفعالية المطلوبة، في ظل شبهات ممارسات احتكارية تُقوّض مبدأ تكافؤ الفرص في الولوج إلى العلاج.

     

    وفي هذا الإطار، دقّ المرصد الدولي للإعلام وحقوق الإنسان ناقوس الخطر، معتبراً أن غلاء أسعار الأدوية لم يعد مجرد إشكال اقتصادي، بل تحول إلى قضية حقوقية بامتياز، تمس جوهر الحق في الصحة والكرامة الإنسانية. فحين يُحرم المريض من الدواء بسبب ثمنه، نكون أمام انتهاك صريح لحق أساسي، لا يقل خطورة عن غياب العلاج نفسه.

     

    ولا يقف الأمر عند حدود الأسعار المرتفعة، بل يتجاوزها إلى اختلالات في التوزيع، وندرة أدوية حيوية، ما يضع المرضى أمام معادلة عبثية: دواء باهظ حين يوجد، ومفقود حين تشتد الحاجة إليه. وهو واقع يعكس خللاً في تدبير سلاسل التوريد، ويطرح أكثر من علامة استفهام حول فعالية السياسات المعتمدة.

     

    أما الإصلاحات المعلنة، فرغم أهميتها النظرية، فإنها لم ترقَ بعد إلى مستوى التحول الجذري المطلوب. إذ لا يمكن معالجة أعطاب هيكلية بقرارات جزئية أو إجراءات ترقيعية. المطلوب اليوم هو إرادة سياسية حازمة تعيد ترتيب أولويات هذا القطاع، وتضع حداً لكل أشكال الريع، عبر بناء سوق دوائي قائم على الشفافية والمنافسة العادلة.

     

    إن استمرار هذا الوضع لا يُعد مجرد خلل قطاعي، بل هو مؤشر مقلق على اتساع فجوة اللامساواة في المجتمع. فحين يصبح الدواء سلعة خاضعة لمنطق الربح، تفقد السياسات الاجتماعية مضمونها، ويتحول الحق في الحياة إلى معادلة حسابية.

     

    من هنا، تتعاظم الحاجة إلى مراجعة شاملة لسياسة تسعير الأدوية، وفق معايير منصفة تراعي القدرة الشرائية للمواطن. كما يبرز ضرورة دعم الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة، وتعزيز آليات التعويض، إلى جانب تقوية دور المختبر الوطني للمراقبة، وتشجيع الصناعة الدوائية المحلية، وتحفيز استعمال الأدوية الجنيسة داخل المنظومتين العمومية والخاصة.

     

    إن الرهان اليوم واضح: إما استعادة الدواء كحق إنساني مكفول للجميع، أو الاستمرار في تكريس واقع يُحوّل المرض إلى عبء مزدوج…الم في الجسد وإستنزاف في القدرة على البقاء.