مقبرة بلا أبواب… حين تتحول البيروقراطية إلى إهانة للإنسان بالعيون

  • الكاتب : سيداتي بيدا
  • بتاريخ : 12 يناير، 2026 - 08:59
  • الزيارات : 274
  • ريحانة برس/ العيون

    في مدينة العيون، لا يُدفن الموتى وحدهم، بل تُدفن معهم المطالب الإنسانية البسيطة تحت ركام التردد الإداري وتقاذف المسؤوليات. أزيد من سنتين مرت، ومطلب فتح باب ثانٍ لمقبرة خط الرملة لا يزال حبيس الرفوف، كأن كرامة المواطنين مسألة مؤجلة، أو تفصيل لا يستحق الحسم.

    المدون والمؤثر الاجتماعي محمد فاضل الساعدي لم يفعل أكثر من أداء واجب أخلاقي حين رفع صوته باسم فئة واسعة من ساكنة المدينة، خصوصاً كبار السن والمرضى وذوي الإعاقة، الذين تحوّلت زيارة قبور ذويهم إلى معاناة جسدية ونفسية يومية. أي منطق هذا الذي يجعل الوصول إلى المقابر امتحاناً شاقاً، في فضاء يفترض فيه التيسير والرحمة لا العرقلة والإقصاء؟

    المقبرة، كمرفق عمومي، ليست مجالاً للاجتهاد البارد ولا ساحة لتجريب التأويلات القانونية المتناقضة. ومع ذلك، اختارت الجهات المعنية أن تختبئ خلف شماعة “ازدواجية الاختصاص” بين جماعة العيون ونظارة الأوقاف، وكأن فتح باب إضافي يتطلب إجماعاً دولياً أو مسطرة معقدة. الجماعة تقول إن الأمر من اختصاص الأوقاف، والأوقاف تلوّح بأن الجماعة معنية، وفي المنتصف مواطنون يُتركون لمصيرهم.

    القانون التنظيمي للجماعات، في مادته 83، واضح في تحميل المجالس الجماعية مسؤولية إحداث المقابر وصيانتها. لكن حين يصبح النص ذريعة لتعطيل الفعل، يفقد القانون روحه، ويتحول إلى أداة للهروب من الواجب. الخلاف حول مفهوم “الصيانة” لا يجب أن يكون حجة لتجميد مطلب إنساني عاجل، بل دافعاً لتكامل الأدوار واتخاذ القرار.

    ما يجري اليوم ليس مجرد سوء تدبير، بل استخفاف صريح بحقوق الناس وبمشاعرهم. فمقبرة خط الرملة تحتضن تاريخ المدينة وذاكرة أبنائها، ومن غير المقبول أن تظل مغلقة في وجه جزء من زوارها بسبب باب واحد لم يُفتح. المفارقة المؤلمة أن أول من دُفن فيها كان رجلاً يحمل اسم “الفاضل الساعدي”، وكأن القدر يذكّر الجميع بأن الإهمال لا يموت.

    المبادرة الشعبية لجمع التوقيعات والتوجه إلى والي الجهة عبد السلام بيكرات، ليست تصعيداً، بل صرخة أخيرة في وجه الصمت. لأن خدمة المواطن لا تنتهي عند عتبة الحياة، واحترام الموتى لا يقبل التأجيل ولا المساومة. وكل يوم تأخير إضافي هو إدانة أخلاقية قبل أن يكون تقصيراً إدارياً.