محاربو الصحراء يعلنونها للعالم. إفريقيا لم تعد ضيفاً في كأس العالم بل شريكاً في صناعة المجد
ريحانة برس/ سيداتي بيدا
لم تعد منتخبات القارة الإفريقية تدخل منافسات كأس العالم بحثاً عن مشاركة مشرفة أو نتيجة تحفظ ماء الوجه، بل أصبحت تخوض البطولة بعقلية المنتصر، مؤمنة بأن مكانها الطبيعي بين كبار اللعبة. وما قدمه المنتخب الجزائري أمام النمسا في مونديال 2026 لم يكن مجرد مباراة مثيرة، بل إعلاناً جديداً بأن الكرة الإفريقية تجاوزت مرحلة الأحلام، ودخلت مرحلة صناعة الإنجازات.
في مواجهة حبست أنفاس الجماهير حتى الثواني الأخيرة، فرض “محاربو الصحراء” شخصيتهم أمام منتخب نمساوي عنيد، لينتهي اللقاء بتعادل مثير (3-3) ضمن الجولة الأخيرة من دور المجموعات، وهي نتيجة منحت المنتخبين بطاقة العبور إلى دور الـ32، لكنها منحت الجزائر أكثر من ذلك بكثير؛ منحتها احترام العالم وإعجاب كل من تابع واحدة من أجمل مباريات البطولة.
ورغم أن المنتخب النمساوي كان سباقاً إلى التسجيل عبر ماركو أرناوتوفيتش، فإن الرد الجزائري جاء من قلب المعاناة. لم يهتز اللاعبون أمام ضغط المنافس ولا أمام الفرص الضائعة، بل واصلوا القتال بثقة وإصرار حتى تمكن رفيق بلغالي من إعادة المباراة إلى نقطة البداية بهدف أكد أن روح المنتخب الجزائري لا تعرف الانكسار.
ومع انطلاق الشوط الثاني، تجددت الإثارة بعدما استعادت النمسا التقدم، لكن الجزائر كانت تملك سلاحاً اسمه الإرادة. فجاء القائد رياض محرز ليعيد التوازن بهدف حمل قيمة فنية ومعنوية كبيرة، قبل أن تنفجر المدرجات فرحاً بهدف التقدم في الوقت القاتل، في مشهد جسّد شخصية منتخب لا يستسلم مهما كانت الظروف.
ورغم نجاح النمسا في إدراك التعادل خلال اللحظات الأخيرة، فإن النتيجة لم تنتزع بريق الأداء الجزائري، بل زادته لمعاناً. فقد أثبت “محاربو الصحراء” أنهم يمتلكون شخصية تنافسية قادرة على مجاراة أقوى المنتخبات، وأنهم أصبحوا رقماً صعباً في كل حسابات البطولة.
هذه المباراة لم تكن مجرد ستة أهداف وتقلبات مثيرة، بل كانت رسالة واضحة إلى العالم مفادها أن الكرة الإفريقية لم تعد تقف عند حدود المشاركة، وإنما أصبحت تنافس على صناعة التاريخ. فالمنتخبات الإفريقية اليوم تلعب بثقة، وتفرض احترامها، وتؤكد أن الفارق بينها وبين القوى التقليدية يتقلص مع كل نسخة من كأس العالم.
الجزائر، وهي تواصل رحلتها في مونديال 2026، تحمل معها طموحات ملايين الجماهير داخل الوطن وخارجه، كما تحمل آمال قارة كاملة تؤمن بأن زمن الاكتفاء بالأدوار الثانوية قد انتهى. وما دام “محاربو الصحراء” يقاتلون بهذه الروح، فإن الطريق نحو إنجاز تاريخي جديد يبقى مفتوحاً، لأن المجد لا يُمنح، بل يُنتزع بإرادة الرجال