ريحانة برس
في الوقت الذي يُفترض أن تجسد فيه المشاريع الكبرى أعلى درجات الانسجام والدقة، يبرز على أرض الواقع ما يكشف العكس تماماً. الطريق السريع تيزنيت–الداخلة، الذي قُدم كأحد أعمدة الربط الوطني والانفتاح على إفريقيا، يجد نفسه اليوم في قلب جدل متصاعد بسبب خلل تقني لا يمكن اعتباره تفصيلاً عابراً.
المقطع الرابط بين العيون والداخلة، بطوله الشاسع، تحوّل إلى نقطة ارتباك داخل مشروع يُفترض أنه متكامل. فبدل تثنية الطريق وفق المعايير المعتمدة في باقي المقاطع، تم الاكتفاء بتوسعة محدودة، وكأن الأمر يتعلق بطريق ثانوي لا بمحور استراتيجي. هذا الاختيار لا يعكس فقط تفاوتاً في الإنجاز، بل يكشف خللاً في ترتيب الأولويات.
ما يزيد من حدة هذا الواقع هو التناقض الصارخ بين الخطاب والنتيجة. الحديث عن السلامة الطرقية وتقليص زمن التنقل يفقد معناه حين يصطدم بطريق غير مزدوج يمتد لمئات الكيلومترات. هنا، لا يتعلق الأمر بجودة أقل فحسب، بل بمخاطر مضاعفة تضع مستعملي الطريق أمام واقع لا ينسجم مع حجم الوعود.
الأبعاد الاقتصادية بدورها لا تسلم من هذا الاختلال. فكيف يمكن التسويق لجهة الداخلة وادي الذهب كقطب استثماري واعد، في ظل بنية طرقية تفتقد للمعايير الكاملة؟ وكيف يُعقل أن يكون الممر نحو معبر الكركرات، بوابة المغرب نحو العمق الإفريقي، دون المستوى المطلوب؟ إنها مفارقة تضعف جدوى المشروع وتطرح تساؤلات حقيقية حول نجاعة تدبيره.
إثارة هذا الملف داخل البرلمان لم تكن مجرد خطوة رقابية، بل جرس إنذار واضح. فالمشاريع الاستراتيجية لا تتحمل مناطق ظل، ولا تقبل بأنصاف الحلول. المطلوب اليوم ليس تفسيرات تقنية باردة، بل قرارات حاسمة تعيد الاعتبار لمفهوم الجودة الشاملة.
الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن طريقاً بهذه الأهمية لا يجب أن يُنجز بمنطق التفاوت. إما مشروع يليق برهاناته الوطنية، أو اعتراف صريح بوجود خلل في التنفيذ. وبين الخيارين، تبقى المسؤولية قائمة، والوقت لا يعمل لصالح التأجيل.
في النهاية، الطرق الكبرى ليست مجرد إسفلت يربط المدن، بل اختبار فعلي لجدية السياسات العمومية. وأي خلل فيها… ليس عارضاً، بل مؤشر يستوجب التوقف والمراجعة.












إرسال تعليق