السلفية الجهادية … والمجتمع المغربي والأنظمة الحاكمة والغرب في وعي كل طرف اتجاه الآخر

0

السلفية الجهادية … والمجتمع المغربي والأنظمة الحاكمة والغرب في وعي كل طرف اتجاه الآخر

 

 

سلسلة قراءة في العقل السلفي الجهادي

 

السلفية الجهادية … والمجتمع المغربي والأنظمة الحاكمة والغرب في وعي كل طرف اتجاه الآخر

عبد العلي العلام معتقل سابق وكاتب

elallamalizafralofa@gmail.com

 

 السلفية الجهادية … والمجتمع المغربي والأنظمة الحاكمة والغرب في وعي كل طرف اتجاه الآخر

     بغض النظر من وراء أحداث 16 ماي الإرهابية والأليمة وجدلية إتهام التيار السلفي للدولة بالوقوف وراءها واتهام الدولة للتيار السلفي بتغدية منفذيها بالأفكار والدعم المعنوي فإن تفجيرات السادسعشر من ماي لعام 2003، التي نفذها مغاربة ولم تتبناها أي جهة – والتيار الجهادي خاضع لمجهر أجهزة المخابرات المغربية والعالمية حتى صُنف المغرب مخزون إحتياطي عالمي لتصدير الإرهاب،لكن الشارع المغربي أصبح يعيش حيرة بوجهين من جهة

-* تخوفه من احتمال انتقال العدوى من الجزائر والعراق وباقي بؤر التوتر إلى المغرب بالتفجيرات والإغتيالات كتخوف مرضي من التطرف حتى أمست السلفية حديث دور العلم والمنتديات، وتعقد من أجلها الملتقيات الفكرية والندوات التحليلية، وتوظف لها مراكز الأبحاث، حتى صار البحث في السلفية وتوجهاتها وكيفية التعامل مع المنتمين إليها هو الشغل الشاغل الآن بمعنى آخرالقبول بمغرب التناقضات السياسية والاجتماعية والتعايش معها وفق منطق جبري موغل في القدرية.

-* وهناك حيرة من وجهة نظر ثانية تتجلى بوجود احتمالات أياد خفية حركت خيوطها بالفعل أجهزة المخابرات المغربية كما تدعي السلفية الجهادية لتمرير أجندتها الداخلية وتبرير تحالف المغرب مع أمريكا في الحرب على الإرهاب وتحجيم توسع حزب العدالة والتنمية … فلو صدق هذا التفسير فإن خوف المغاربة وتوجسهم سيرجع بذاكرتهم إلى سنوات الرصاص والإختطافات والتصفية الجسدية وسيفقدون الثقة في العهد الجديد وأن مسلسل المصالحة التاريخية التي انبثق عنهاالمجلس الإستشاري لحقوق الإنسان ماهي إلا للإستهلاك السياسي أيمغرب آخر تشبعفي وقت وجيز جرعات قوية من رفض سياسة الإنبطاح المهينة, والإنتقال إلى طرح بدائل وتجسيدها على الواقع، وإن بدت أكثر تشاؤما وسوداوية وفي أحايين كثيرة لا تستند على خلفية صريحة وواضحة.

إلا أن هذه التفجيرات شكلت محطة تحول تاريخية حاسمة في العلاقة بين السلفية والمجتمع، وإن كان شكل العلاقة الحالية بين الطرفين اتضحت معالمها قبيل الأحداث، إلا أنها كانت انطلاق حالة  التخوف والترقب، وبرهنت ـ من وجهة نظر النخبة المغربية بكافة مكوناتها السياسية والأمنية والفكرية وفعاليات المجتمع المدني  ـ على اتزان التوجه نحو ضرورة توحد المغاربة في مواجهة التطرف الديني في غفلة منهم وصمت مطبق على التطرف العلماني وكأنه صمت نسجت خيوطه في كواليس طبخ الأحداث.

   وعلى رأس من تم الإجماع بمحاربته التيارالسلفيي، الذي أصبح مشتلا يعلق عليه :

-* صدى تعميق فكرة صراع الحضارات، ومباركة التيار الجهادي لخطابات الجبهة العالمية لمحاربة الصليبيين.

-*  كما تم استخلاص نتائج علاقة الإرهاب بالإسلام وتهديد الوحدة الدينية المغربية  وتشكيكهم في عقيدتهم ومذهبهم المالكي الذي أسهم على مدى 14 قرنا في تماسك المجتمع المغربي, وتجنيب المغاربة الدخول في طائفية لا مكانة لها في بلد اعتاد تبني سياسة الوسطية والاعتدالومسلك الجنيد.

-* رواج دعوة الكراهية بين مكونات المجتمع المغربي وتيئيسهم واستغلال الغالبية الناقمة ( صوت الإحتجاج ) وتوظيفها للخروج على السلطة الشرعية.

 فهي بإجماع مرحلة حرجة في طريق العلاقة بين الطرفين، لكنها أيضا ظلت حلقة في سلسلة طويلة من الأحداث.

رؤية المجتمع المغربي للسلفية الجهادية

من الأهمية ونحن في سياق العلاقة بين (المجتمع) و (السلفية) بالتحديد الإشارة إلى أن خلفية المغربي إجمالا ليس لديه إلمام وتصور يفي بإلمامه بحيثيات  التصنيفات الحاصلة في الساحة المغربية بخصوص الحركات الإسلامية ومرجعياتها ، وهو لا يستوعب حقيقة خطابها في المجمل.

 فباستطاعة المغربي أن يميز بين (الصوفية، وما يطلقون عليه “الإسلام الحركي”، والسلفية) إجمالا لكن ليس بمقدوره التفريق بين مشارب وتوجهات التيار السلفي من حيت تنوع المنابع الفقهية وتعصبهم للنصوص إلا بمقدار ما يعرفون من مواقفها تجاه القضايا العامة كالديمقراطية والعلمانية والنقاب بين الوجوب والإستحباب  وغيرها من المسائل المختلف بشأنها والمنتشرة في سوق السجالات… مثلا.

 كما أن المجتمع المغربي لا يأخد موضوع ملف (السلفية) من انشغالاته  حيزا ولا يلقي له بالا إلا بمساحة ضيقة من اهتماماته وتفكيره اللهم إلا إذا كان بصدد حدث معين أو موقف شاذ أو دخولهم الإضراب عن الطعام أو وقفة احتجاجية ساعتها يتحتم استحضار ما يفهمه عن أصحاب هذا المنهج من تحريم وتحليل ومبررات، وهذا هو الغالب، وإن كان الانتشار الحاصل للسلفية بدأ يُلفت انتباه شريحة كبيرة من الباحثين والإعلاميين في المغرب وخارجه لتحليلها وتفكيكها والوقوف على أدق تفاصيلها كظاهرة.

وبما أن أوجهالاختلاف داخل البيت السلفي متعددة فيما يخص شكل المواجهة والذود عن الإسلام ، جرى تشويه السلفية ببعض الممارسات الخاطئة من قبل الجهاديين، مما جعلها في وعي الآخر عقيدة عنف ، وتتعامل معه بوحشية مثال : ذبائح الزرقاوي بالعراق، ولا يُؤمن جانبها (كحالات العود في جهاديي المغرب الموقوفين وعمليات الرايضي والأخوان مهى بعد الإفراج عليهم) وهو ما سهل على دعاة الإستأصال استكمال عملية التشويه، كما فعلت الآلة الإعلامية فعلتها في تشكيل الصورة السلبية عن السلفية، بما لهذه الآلة من قوة وإمكانيات

ورغم أن السلفية ليست غريبة عن جيل ما قبل الإستقلال بحكم أن جُل المرجعيات الدينية والوطنية ورجالاتها العلمية كعلال الفاسي رحمه الله كانت سلفيته بجلباب ليبرالي ومحمد بن زاكور وبوشعيب الدكالي وبن العربي العلوي والمختار السوسي وعبد الله كنون إذ تميزت سلفيتهم  بالتصور الإصلاحي إلى عقلانية محمد عبده، تم سلفية عبد الحميد بن باديس الجهادية لكن في النهاية نجد أن المدرسة النجدية ذات الجذور الحنبلية استطاعت سحب البساط والإنفراد بقيادة التوجه السلفي ككل مدعومة بأموال النفط . وهي محط استقرائنا بالتحليل نظرا لتجاوز اعتقادها حدود نشأتها الأصلية ، و امتداد تصورها الآفاق، فغدتْ ظاهرة إسلامية عالمية …وكذلكالشيخ تقي الدين الهلالي الذي عرضت عليه الإمامة بالحرم المكي  وغيرهم كثيرـ لأسباب عديدة ـ لم يتعرف عليها هذا الجيل ولم يكلف نفسه عناء البحث بما يتيح له تشكيل صورة واضحة عنها والمثير لبعض الدهشة أن بعض السلفية الموقوفين على خلفية أحداث 16 ماي ل2003 كانوا يعتقدون أنهم وحدهم سلفية زمانهم ، بل من خلال أحداث ووقائع عديدة ـ فعلها بعض المنتمين للمنهج  السلفي كانت لهم دوافع مشروعة في بعضها ولم تكن لهم في البعض الآخرـ تكونت صورة مهزوزة أو قل مغلوطة للسلفية استقاها المجتمع المغربي من تراكمات هذه الوقائع والأحداث مثل (تفجيرات الدار البيضاء ، والتكفير، ومباركة عمليات ذبح الزرقاوي ، والرفض الصارم للخطة الوطنية لإدماج المرأة المغربية  في التنمية …

لذلك نجد المجتمع المغربي في توصيفهم السلفية قد ذهبوا مذاهب شتى،إلا أنهم أجمعوا على أن القاسم المشترك بينها هو عدم خلوها جميعا من هذه الأوصاف (التطرف – التزمت – الراديكالية – وأحيانا التكفير –  ضعف تجربتهم السياسية).

وآخرون ذهبوا مذهبا آخر فقالوا :( -* هم زبدة الأمة وخيرة شبابها -*  ولولاهم لأكل اليهود المسلمين أكلا -*  وبالعرب الأفغان ودماءهم إندحر الدب الأحمر خاسئا -* وأنهم بفضل مظهرهم خلقوا للمغربي تساؤلات مما اظطره للبحث عن إجابات لها من معين سلف الأمة -* هم من أحيوا سنة القبض وجلسة الإستراحة بين السجدتين وإسدال اللحى والنقاب الذي هو في الأصل مغربي بالجلابة الغربية المعروفة بالقُب واللثام ليتم استبداله لاحقا بالنقاب المشرقي والبرقع).

ومع ذلك فإن هذه الفئة من المغاربة يشاركون الفئة الأخرى فيالقناعات بشكل عرفي وعرضي كالتطرف والتزمت والراديكالية,ومرد ذلك قد نحيله إلى مقاومة السلفية في تحديها وصمودها لقيم الغرب التي استنسخها اللبراليون والعلمانيون الحداثيون المغاربة من ليبرالية وعلمانية وديمقراطية وحداثة الغرب ، التي تمخض عن هذه القيم والمبادئ الدخيلة عن المجتمع المغربي نمطا معينا للحياة نشأ عليه الإنسان المغربي، تبدو فيه الحرية الفردية حاضرة متجلية في كافة مناحي الحياة اليومية السياسية والإجتماعية والتعليمية والإقتصادية ، وهنا تكمن صعوبة استساغة السلفية للقيم الغربية التي يرى أن في دينه ومرجعيته الإسلامية وتراثه الثري ما يغني عن قيم الغرب المتفسخة والمنحلة .

– ومن وجهة نظر مؤسسة راند الأمريكية (Research And Development)    التيتأسست عام 1945 بإشراف القوات الجويةالأميركية، وبمشاركة شركة “دوغلاس للطيران”. التي تحولت لاحقا في عام 1948إلى “منظمة مستقلة غير ربحية” بتمويل من وقف فورد الخيري(Ford Foundation). في تحديد أزمة المجتمعات العربية الإسلامية في : الفشل في الازدهار،وفقدان للعلاقة مع الاتجاه العالمي السائد.

– فلقد طُبع العالم الإسلامي بفترة طويلة منالتخلف وحالات عجز متفاوتة، ولقد وقع تجريب العديد من الحلول فيه من مثل التوجهالقومي، والتوجه العروبي، والتوجه العروبي الاشتراكي، والثورة الإسلامية، دون تحقيقنجاح. وقد أنتج هذا خيبة وغضبا. كما إن العالم الإسلامي قد تخلف في نفس الوقت عنالثقافة العالمية، مما أنتج حالة من عدم الارتياح في كلا الجانبين.
 يختلفالمسلمون بشأن ما يجب فعله في هذا الخصوص، كما إنهم لا يتفقون بشأن الصورة، التييجب أن تكون عليها مجتمعاتهم. ويمكننا تمييز أربع مواقف أساسية:
-* الأصوليون: يرفضون القيم الديمقراطية والثقافية الغربية الحديثة. وهم يريدون دولة سلطويةطهورية، تقوم بتنزيل رؤاهم المتطرفة للتشريع والأخلاق الإسلامية. كما إنهم يعملونعلى استعمال الاختراعات والتقنيات الحديثة من أجل تحقيق هذاالهدف.
-* التقليديون: يريدون مجتمعا محافظا، وهم متوجسون من الحداثة،والتجديد، والتغيير.
-* الحداثيون: يريدون أن يصبح العالم الإسلامي جزءا منالحداثة الكونية. وهم يريدون تحديث وإصلاح الإسلام من أجل إلحاقه بالعصرالراهن.

-* العلمانيون: يريدون العالم الإسلامي أن يقبل قسمة الكنيسة والدولة.

– ومن الأكيد أن رفض السلفيية المشاركة السياسية في بعض الدول الإسلامية ينبع من قناعتهم الحاسمة بالرفض القاطع للأيديولوجية بشكل كلي وبالآليات التي توجه العمل بهذه المنظومة، وعلى رأس هذه المنظومة تبدوا “الديمقراطية” كنظرية سادت العالم ككل،فالسلفية الجهادية حينما ناصبت العداء لقيم الديمقراطية وانتقدتها فإنهم في الوقت نفسه أصلوا لهذا النقد بتأصيلاًت شرعية وبالتالي لم يكن رفضهم رفضاً من باب الترف الفكري بل انطلق من فروق جوهرية تصادمت فيها “الديمقراطية” مع النظرية السياسية في الإسلام، وهذه الرؤية ليست وقفا على أصحاب المنهج السلفي، بل تبناها في الماضي والحاضر فئام من المفكرين والمنظرين الإسلاميين.  

– يقول عبد المنعم مصطفى حليمة ففي كتابه “حكم الإسلام في الديمقراطية”: “الديمقراطية ليست هي خيارنا الوحيد، بل خيارنا الوحيد هو الإسلام.. وأي خيار نرتضيه غير الإسلام؛ يعني الانسلاخ كلياً من دين الله تعالى والدخول في دين الطاغوت”.

– ويرى د.علاء بكر: “الإسلام يجعل الهداية في شرع الله – تعالى- ويستمد قوانين الأمة منه، في ظل ثوابت عقائدية وأخلاقية وتعبدية لا تتغير ولا تتبدل”. وفي كتابه “معركة الثوابت بين الإسلام والليبرالية”

– وفي السياق ذاته يرى الدكتور عبد العزيز كامل، أن الديمقراطية “إن كانت نوراً في الغرب النصراني، فللشرق الإسلامي ظلامها، وإن كانت عدلاً هناك فهي هنا للشقاء والشقاق، (..) حتى لو جلبت شيئاً من سعادة الدنيا ـ في حال تطبيقها بشفافية في بعض بلاد المسلمين ـ فإن ذلك سيكون على حساب العديد من ثوابت الدين وأصول التشريع وأركان الاعتقاد.

وهذا ما تفطن له الإسلاميون عامة والسلفيون من بينهم في وقت مبكر، فضمنوه في أدبياتهم وانتاجهم الفكري على أن لا خيار أمامهم إلا السير في طريق المواجهة والمجابهة، سواء كانت دعوية، أو فكرية، أو اقتصادية في الدول العربية ومنابذتها والعسكرية في بؤر التوتر التي تكون وراء إشعال فتيلها سواء أمريكا أو في مناطق الإرتزاق الداعون للإنفصال كما في جنوب الصحراء المغربية حيث الظروف السياسية والجغرافية تساعد في تقوية التيار السلفي في ظل استمرار النزاع المفتعل وحتى تخلي الأنظمة العربية بين شعوبها واختياراتهم الدينية المتمثلة في مطلب -* تطبيق الشريعة*- ويرفع الغرب بدوره يده عن البلاد الإسلامية واستنزاف خيراتها وترواتها، وتُسترد الحقوق، ويربى النشأ على العقيدة .لذلك يقول ياسر عبد التواب: “المطلوب منا في بلاد الغرب – كما في بلاد الإسلام-: تحصين الناشئة بالتركيز على العقيدة التي يراد مسخها اليوم تحت دعاوى التجديد, لأننا بإزاء حرب عالمية ممنهجة، ومخططة ضد الإسلام؛ فينبغي الحذر من محاولات تمييع عقيدة الولاء والبراء، أو التهاون في تتبع الشبهات وأهلها.

ويرى آخرون من المدافعين عن الديمقراطية كالكاتب الفرنسي من أصول عربية (محمد سيفاوي) حيث يقول :أن السلفيين يرفضون الاختلاط ، ولايعترفون بقيم الأخوة خارج نطاق الأمة، واستشهد بنصوص من مؤلفات الشيخ ابن عثيمين، والشيخ صالح بن فوزان، يدافعان فيها عن النقاب، واعتبرهما يهمشان من دور المرأة في المجتمع لأنهما يرون مكان المرأة هو بيتها. وفي المجمل يرى سيفاوي أن السلفيين يشكلون خطرا علي التعايش الجماعي، لأن نظرتهم للإسلام لا تتوافق مع الديمقراطية والعلمانية الفرنسية.  نقلا عن تقرير لصحيفة (لو فيغارو) الفرنسية، حول مدى انسجام السلفية مع قيم الجمهورية،

وللتيار السلفي قابليته للانتشار بسهولة ومرونة وفي صمت، وليس له ارتباط بشخص ما فهو تصور عقدي وليس تنظيمي لهذا تكمن خطورة السلفيين في وعي العالمين العربي والغربي الذي تجمعهم تقاطعات مشتركة بينهم كأنظمة حول قيم ومبادئ الديمقراطية والعلمانية … إذن فخطورة السلفية في الفكر والمعتقد الذي يحملونه بين جوانحهم، السبب الرئيس في اعتراضهم المستميت لهيمنة  الحضارة والتقافة المستمدة من الليبرالية والديمقراطية والعلمانية والحداثة والمستبدة في آن واحد ، وهو ما يلخصه أحد الكتاب بالقول السلفيون يقودون الناس في قطار سريع يصلهم مباشرة بين الواقع ومصادر التشريع“.

يقول برنارد هيكل ـ وهو باحث في جامعة برنستون ـ : “للسلفية رؤية لاهوتية واضحة. يرغب السلفيون في العودة إلى الطريقة التي كانت تعيش عليها الأجيال الأولى من المسلمين، وهم يؤمنون بتأويل حرفي وقاطع للقرآن. إن رؤيتهم للإسلام قوية ومتجذرة في التقاليد الماضية، التي تؤثر كثيرًا وفي كل مكان في العالم، على الشباب المسلم“.

إن ممانعة ومنازعة التيار السلفي  لأنظمة الحكم الجبري العضوض في العالم الإسلامي كانت  تُستمد من خلال عمليات تنظيم (القاعدة) التنظيمات الإسلامية الراديكالية التي ترى الحل في العمل المسلح الذي أعطى لمعنوياتهم دفعا قويا  حمل غالبيتهم على التحمل في ضوء انسداد أفق للتسوية.

 فالسلفية في وعي االأنظمة العربية فكر مبرمج على إسلام الرفض والمجابهة، أو المشاكسة، الذي لا يتنازل، ولا يسمح لهم  بالإستبداد  في الحكم وبالسيطرة على الشأن الديني وتكميم أفواه العلماء والدعاة واحتكار الخطاب الديني.

 وهنا لا بد من الوقوفعلى خطأ يعيد نفسه بحيث لايمكن القفز عليه وتتكراره وإلا فالأخطاء على كثررتها وتنوعها لا تعد ولا تحصى…

-*  عندما تُكمم الأفواه من قبل القائمين على الشأن الديني ولا تسمح بخطاب يعلوا غير خطابها على برودته وضعف مادته وضعف فن خطابة إلقائه وتجعله بعيدا عن واقع المجتمع  ولا يلامس الحاجيات الملحة …….فبالطبع سيلجأ شباب المجتمع للبحث عن بديل يلبي حاجاتهم بدءا من الأجتهادات الفقهية  أي فقه القرب من المغربي في علم الحال والواقع .

-* وخطيب، إذا وعظ الناس في المناسبات أمات القلوب، وقدعاف المصلون وعظه لتكراره ولبعده عن واقعهم  وأحاسيس معاناة أمتهم، وإحجامه عن بيان الفساد وفضح الأعمال إما رهبة أو رغبة، وبين علماء تولوا المناصب فضلوا وأضلوا بصمتهم عن قول الحق ،فزينوا للقائمين على الشأن الديني أعمالهم، وشدوا على أيديهم، وأولواالنصوص وأوهموا الناس واستبدوا على وسائل الإعلام، فوقفوا خلف من يسب ويشتم ويكيل التهم.

-* افتقاد الفقهاء المغاربة للجرأة ودخولهم غمار الأحداث الوطنية والعالمية بالفتوى التي تجعل المغربي في غنى عن لجوءه لفتاوى غير علمائه من المغرب وفي نفس الوقت قطع الطريق على من يجعل من نفسه بديلا للمغاربة هذا البديل قد يكون في الظرف الراهن الشيخ google)) أو صعود نجم أحد طلاب العلم الجهادي التوجه.

-* خطب الجُمع نسمع المأموم يقول ومن لغى فلا جمعة له ومباشرة نجد الخطيب يلغو بمواضيع تصيب الأذن المغربية بالنفور والذوق بالغثيان لدرجة أن البعض من المصلين يهب قائما حتى أمست الجمعة طقوس شكلية أفرغت من حمولتها وعمقها الإيماني الذي فرضت لأجله .

 -* هناك شرخ  كبير وهوة بين العلماء والمجتمع والدليل هروب المغاربة من سؤال مجالسهم العلمية إلى القنوات الفضائية حيث يجدون المرونة والتبسيط والقرب وفن التبليغ  وقوة في الإستدلال …..

وفي الأخير أقول إن الخطاب الديني في المغرب يجانب منطق التاريخ وأن اختياره قد يكون صائبا يحتمل الخطأ واختيار ورأي الناقد قد يكون خطأ يحتمل الصواب.

– وهذا ما يبرر انتشار هذا المنهج ، في ظل غياب حلول موضوعية وشاملة قادرة على إعادة تدبير الحقل الديني في البلاد بعيدا عن الرؤية الاستعراضية الضيقة أو احتكار مقاربة دون غيرها وإقصاء كل اجتهاد لا يمكنه إلا أن يؤدي إلى توسع وانتشار للسلفية الجهادية ، الذي لا يفاوض على شيء إلا وفق الشرع، وأتباعُه يصعب ترويضهم لأنهم لا يعرفون التنازلات لكنهم قد يتحيزون لفكر أو موقف وقد يتوارون لبعض الوقت تكتيكيا لأن قاعدتهم الفقهية  واستدلالاتهم العلمية قوية لدرجة لم تنل منها أدلة المراجعات الفكرية كما سنبين في فصل  الحاكم المبدل والمعطل لدين الله في وعي العقل السلفي الجهادي :.

– كما يساعد المظهر الخارجي للسلفية الجهادية في تشكيل تحديد صورة السلفي في الذهنية المغربية، ومن الممكن على أساسه تتحدد بعض أحكامهم تجاه السلفية، إذ أن المظهر السلفي في كثير من الأحيان ينقل صورة حية للعقيدة التي يحملها أصحاب هذا المنهج، فالسلفي (ملتح، يرتدي غالبا جلبابا مقصرا بدليلهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحب من الثياب ما قصُرْ ، يداوم على الصلاة في المسجد لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، يفرض قيودا على نسائه اللاتي يرتدين الحجاب ولا يظهر منهن شيء ولا يخالطن الرجال مستدلين بقوله تعالى :ياأيها النبي قل … يدنين عليهن من جلابيبهن … الآية، مكفهر التصورأمام الحضارة الغربية ونمط حياتها انطلاقا من قضية الولاء والبراء) وهي صورة تتناقض كليا مع الحياة المنفتحة التي عاشها الإنسان المغربي  المتحرر القابل لإستقبال أي ثقافة ومستعد لأي ترويض عليها بشكل تلقائي وبسلاسة والسبب غياب وانغلاق المجتمع المغربي إلا من بوابة ما يسمى الخصوصية المغربية وغياب تفاعل العلماء مع المجتمع.

 لكن الجدير بنا الوقوف على بعض مظاهر جيل ماقبل الإستقلال وبعده بقليل حيث أن العديد من الأعراف والتقاليد المغربية تتقاطع والسلفية في اعتقادها الفرق بين الجيلين أن الثاني اتخدها بجدتها بناء على تصور علمي وفقهي وكمرجعية وإديولوجية والجيل الأول كانت هذه القيم بالنسبة إليه عرف وتقاليد وحْشومة تم توريثها الآباء والأجداد للأحفاد  وكأنهم يتبعون “تعاليم المنهاج السلفي الدقيقة” في كل تفاصيل الحياة اليومية والعلاقة بين أفراد الأسرةفلا اختلاط بين الجنسين من باب سد الدرائع، لا صور في البيت بناء على قوله صلى الله عليه وسلم :إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة أو كلبا، ولا عمل في أوقات الصلاة مصداقا لقوله تعالى :فإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا لذكر الله وذرو البيع، لا لإظهار شيء من الجسم إلا للزوج   ، ولا عمل أو تنقل للمرأة إلا رفقة زوجها وهكذا دواليك فإن لكل ادعاء أو تقول على السلفية له في المقابل ما يبرر اعتقاده واعتناقه.

المجتمع المغربي في الوعي السلفي

لاشك أن سلفية الثلث الأخير من القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحالي ليست واحدة، بل تنوعت في مسمياتها حسب الشعار المميز لكل راية تنظيمية وحسب تصور أصحاب المنهج والمذهب الذي يدينون الله به، حسب زمان ومكان نشأتها، ، وسلامة روافد  المنهج المأخوذ عن سلف الأمة، وهو ما جعل المصنفين للسلفية يذهبون في تصنيفها مذاهب شتى ( فهناك سلفية دعوية، وعلمية، وحركية، وفكرية، وإصلاحية، وسياسية… إلخ).

– إلا أن الصراع بين السلفية والنخبة العلمانية في بداية الصراع قبل أن يتطور وتمسك الدولة بإدارته عبر أجهزتها الأمنية وإعلامها الرسمي ومجمل الأنظمة عموما برز من خلال  السجالات الفكرية والسباق على من يستطيع استمالة المجتمع وكذلك على المستوى السلفية العالمية عبر العمليات العسكرية من الجانبين كل هذا ساهم بشكل كبير في تسليط الضوء على الجهاديين دون غيرهم، ولو كان بمقدور النخب الحداثية والعلمانية قيادة المجتمع لما تدخلت الأنظمة فكانت وما زالت أغلب النقاشات والدراسات تدور في المغرب والغرب حول (السلفية الجهادية) بالأساس التي سحبت البساط من تحت أقدام أعرق وأقدم التنظيمات الإسلامية، وإن كان وتطرقت في تحليلاتها إلى تنوع البيت السلفي فلا أقل من كونه محطة انتقال ورافد إمداد بشري هائل للتيار الجهادي .

لكن إلى أي حد يمكن أن يتحول السلفي الحركي أو الدعوي أو الإصلاحي  … إلى  سلفي جهادي ؟

وهل من الممكن أن تصبح نظرية المشروع السلفي الدعوي والإصلاحي والحركي مشروعا جهاديا مستقبلا في المنظور القريب ؟

 وبناء عليه وقع خطأ كبير وخلط لدى جزء كبير وشريحة عريضة من الكتاب والصحفيين المسلمين والغربيين في اختزالهم السلفية كمنهج إسلامي ورافد أصيل من روافد الصحوة الإسلامية المنتشرة في المغرب وخارجه فيما بات يعرف إعلاميا بـ (السلفية الجهادية) ـ التي تتبنى العمل المسلح على رأس أولوياتها، وترى الخروج على الحاكم إذا فرط في أمور الدين حيثلا خلاف بين السلفية الجهادية في مشروعية قتال الحاكم الذي وقع في  ناقض من نواقض الإسلام, ويتفقون في كون هؤلاء الحكام كونهم أئمة كفر عطلو ا تم بدلوا..

الحاكم المبدل والمعطل لدين الله في وعي العقل السلفي الجهادي

ومن أدلتهم المعتمدة على ماذهبوا إليهفي خروجهم على الحكام

 – (ما نقله بن التين عن الداودي قال : الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب وإلا فالواجب الصبر). فتح الباري – (13 / 8)

كذلك” فتوى للإمام مالك و سحنون حول : الموقف من الخروج على الحاكم الجائر حيث :

(سئل الإمام مالك فقيل له : أرأيت لو كان خليفتنا على حكمه فجاء رجل يريد أن ينازعه في ملكه أفندفع عن إمامنا ؟

قال مالك : “إن كان مثل عمر بن عبد العزيز فادفع عنه وإلا دعه وما يطلب منه ينتقم الله من الظالم بالظالم ثم ينتقم من كليهما “..

وقال الإمام سحنون بن سعيد رحمه الله لما ذكر هذه القصة قال :

“إذا كان الإمام غير عدل فخرج عليه عدل وجب الخروج معه ليظهر دين الله .

وإن كان الخارج عليه غير عدل وسعك الوقوف إلا أن يقصد أهلك ومالك فيجب عليك دفعه عنهما، ولا يحل لك دفعه عن الظالم ” ).

وهاتان المقولتان ذكرهما شراح مختصر خليل عند قوله :(فللعدل قتالهم).

ففتوى مالك مذكورة في الشرح الكبير للدردير، وفتوى سحنون ذكرها عليش في منح الجليل.

وقول خليل : (فللعدل قتالهم). فيه إشارة إلى حرمة قتال الإمام الجائر لمن خرج عليه وقد بين ذلك شراح المختصر :

قال الدرديري :

( “فالعدل قتالهم وإن تأولوا” الخروج عليه لشبهة قامت عندهم ويجب على الناس معاونته عليهم وأما غير العدل فلا تجب معاونته قال مالك رضي الله عنه دعه وما يراد منه ينتقم الله من الظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما كما أنه لا يجوز له قتالهم لاحتمال أن يكون خروجهم عليه لفسقه وجوره وإن كان لا يجوز لهم الخروج عليه). الشرح الكبير للدردير – (4 / 299).

   – وعلق ذلك الدسوقي فقال :

(قوله :”كما أنه لا يجوز له قتالهم” أي مع إصراره على الفسق بل يجب عليه أن يتوب ويقاتل). حاشية الدسوقي على الشرح الكبير – (18 / 279)

وقال محمد بن أحمد عليش (ت: 1299):

(وأما غير العدل فليس له قتالهم لاحتمال أن خروجهم لجوره وإن لم يجز الخروج عليه ). منح الجليل – (19 / 348).

وهذه الفتوى المنسوبة إلى مالك وسحنون ذهب إليها أيضا ابن حزم حيث قال في المحلى :

(فإن قام على الإمام القرشي من هو خير منه أو مثله أو دونه قوتلوا كلهم معه لما ذكرنا قبل إلا أن يكون جائرا ).

فإن كان جائرا فقام عليه مثله أو دونه قوتل معه القائم لأنه منكر زائد ظهر فإن قام عليه أعدل منه وجب أن يقاتل مع القائم لأنه تغيير منكر .

وأما الجورة من غير قريش فلا يحل أن يقاتل مع أحد منهم لأنهم كلهم أهل منكر إلا أن يكون أحدهم أقل جورا فيقاتل معه من هو أجور منه لما ذكرنا ). المحلى – (9 / 362)

في نظر العقل السلفي الجهادي أن طاعة الإمام الجائر أمر مفروغ منه وهو مصنف لديهم على ثلاثة تفاسير :

1- المتغلب الذي نال الحكم عن طريق القوة والغلبة .

2- الظالم الذي يمنع الناس حقوقهم ويظلم الرعية .

3- الفاسق الذي يرتكب بعض المعاصي والسيئات الموجب لفسقه .

ولا يرون ذلك في من استبدل الشرع بقانون وضعي من دساتير الغرب الكافر

هذه هي التفاسير التي يذكرها العلماء لمعنى الإمام الجائر غير العدل .

ومن أمثلة ذلك :قال المناوي عند الحديث 1790 – (إن الله تعالى ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر):

(فلا يتخيل في إمام أو سلطان فاجر إذا حمى بيضة الإسلام أنه مطروح النفع في الدين لفجوره فيُجَوَّز الخروج عليه وخلعه لأن الله تعالى قد يؤيد به دينه وفجوره على نفسه فيجب الصبر عليه وطاعته في غير إثم). فيض القدير – (2 / 328)

وقال أبو عبد الله محمد بن يوسف العبدري الشهير بالمواق (ت : 897هـ) :

 (قال عياض في إكماله : جمهور أهل السنة من أهل الحديث والفقه والكلام أنه لا يخلع السلطان بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق ). التاج والإكليل – (12 / 35)

وقال ابن حجر :

(وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء ). فتح الباري – ابن حجر – (13 / 7)

لهذا يرى العقل السلفي الجهادي الخروج على هؤلاء الحكام لما بدلوا وبالتالي اعتبروا التبديل رديف التعطيل ولم يرو شيء من كلام أهل العلم ما يدل على أنهم يعتبرون أن أئمة الجور الذين حذرت الأدلة الشرعية من الخروج عليهم يدخل فيه ذلك الذي عطل الحدود وألغى المناهج الشرعية .

بل إنهم يعتقدون أن النصوص الشرعية قيدت وجوب السمع والطاعة للإمام بشرط تطبيق شرع الله ,ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : (إن أمر عليكم عبد أسود مجدع يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا) فقيد وجوب طاعته بكونه يقود بكتاب الله .

وهذا القيد المذكور ورد في روايات :مسلم: وأحمد وأبي عوانة والنسائي وابن حبان والطبراني في المعجم الأوسط ,والروايات التي لم يرد فيها هذا التقييد يتوجب حملها على هذه المقيدة لما علم من وجوب حمل المطلق على المقيد .

ومن ذلك تقييده صلى الله عليه وسلم لحرمة الخروج على أئمة قريش باستمرارهم على إقامة الدين :

فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن معاوية : قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين .

وإذا كانت حرمة الخروج مشروطة بإقامة الدين بالنسبة لأئمة قريش الذين هم أشرف الأئمة فمن دونهم أولى, ومن ذلك أيضا تقييده صلى الله عليه وسلم لحرمة الخروج على الأئمة بإقامة الصلاة :

فقد روى مسلم في صحيحه عن عوف بن مالك :

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال : لا ما أقاموا فيكم الصلاة .

فدلت هذه الروايات كلها على ثلاث قيود لحرمة الخروج على الإمام هي :

– كونه يقود الناس بكتاب الله (أي يحكم بكتاب الله).

– كونه مقيما للدين .

– كونه مقيما للصلاة .

والقيد الرابع كونه لم يخرج من دائرة الإسلام وقد نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله فيما رواه البخاري وغيره عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال :

(دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان ).

واعلم أن هذه الشروط الأربع لمنع الخروج على الإمام هي من قبيل الشرط على البدل الذي يعني أنه يكفي وجود أحد الشروط لتحقق المشروط كقولك إن قام زيد أو خرج فأعطه الثوب فإنه يستوجب إعطاء الثوب بأحد الأمرين ولا يشترط توفر الشرطين، وإلى هذا أشار في ” المراقي ” بقوله :

وما على البدل قد تعلقا   *   فبحصول واحد تحققا

 فمشروعية الخروج على الإمام  لدى العقل السلفي الجهادي حاصلة بانتفاء أحد القيود السابقة : – الحكم بكتاب الله –  إقامة الدين – إقامة الصلاة – عدم الخروج من الإسلام .

ويخلص الجهاديون من هذا كله بمشروعية الخروج على الحكام المعطلين للشرع بغض النظر عن تكفيرهم,وهذا الذي تقدم دليل شاف وكاف على مشروعية الخروج عليهم لردتهم وليس لكفرهم فحسب لأن الردة أعظم من الكفر في ميزان الشارع الحكيم ..

 فظهر أن القول بعدم مشروعية الخروج على هؤلاء الحكام :قول مرجوح ..من مرجوح ..من مرجوح !

 ومع هذا كله فالسلفية الجهادية تعتبر أن القضية لا تتعلق بالخروج على الإمام وإنما هي أوسع من ذلك وأشمل :

فهي ترى أن هناك تيارين متناقضين في بلاد الإسلام اليوم :

تيار ينادي بتطبيق الشريعة ويسعى إليه ..

وآخر مدعوم من الغرب الكافر يسعى إلى ترسيخ القوانين الوضعية والديمقراطية والعلمانية ودعاة الحداثة الشركية ولا يبغي بذلك بدلا ..وهذان التياران لا يمكن أن يتعايشا ولا أن ينسجما ولا أن يحدث بينهما حل وسط ..

فالصراع بينهما في وعي السلفية الجهادية مسألة حتمية لا يمكن تجاهلها ..وكل ما يحدث في بلاد الإسلام اليوم من هزات واضطرابات ما هو إلا مقدمة لإرهاصات الصراع الذي يعني بداية انقسام الناس إلى فسطاطين :فسطاط إيمان لا نفاق فيه .وفسطاط نفاق لا إيمان فيه .

والعقل السلفي الجهادي يرى وقوف بعض المحسوبين على فسطاط الإيمان كالحركات الإسلامية … موقف الحياد في هذا الصراع ويعتبرهم خسارة للإسلام ! لكنه أفضل من الوقوف إلى جانب فسطاط النفاق ! لقد آن للمتباكين على الشريعة أن تتحول دموعهم إلى طوفان يُغرق الحاكمين بغير ما أنزل الله .. و إلا فإلى متى البكاء ؟!!

وكأن أُذن السلفية الجهادية قد ملت من بكاء الجموع الغفيرة المتعاجزة

جموع لا هي للإسلام ناصرة ..ولا هي للكفر قاهرة ..لكنها تحسن عبادة البكاء والتظلم !!لماذا لا يفقه هؤلاء علة تحريم النياحة ؟

لكن كل ما تتمناه السلفية الجهادية من هؤلاء البكائين اليوم أن يقفوا موقف المتفرج ويتربصوا..فإن انتصر المجاهدون وطبقوا شرع الله فذلك ما أرادوا … وإن هُزم المجاهدون وقضي عليهم قاموا هم بمواصلة مشروع البكاء ومسرحية التعاجز دون أن يكون لهم دور في القضاء على المجاهدين ..

وهذا كما قال أحد قادة قريش : يا قوم اتركوا محمدا وشأنه يقاتل العرب، فإن غلبته العرب فذلك ما أردتم ..وإن غلبها كان لكم عزا وفخرا …

هكذا يرى العقل السلفي الجهادي الأوضاع,إن واقع المسلمين اليوم وخاصة في المغرب لم يعد بالإمكان التحرك فيه من أجل السعي إلى تطبيق شرع الله ..  وحتى إن كانت هناك  فرص فهي تتضاءل كلما تقدم الوقت ..لأن الزمن في صالح الطرف المتغلب…

العقل السلفي الجهادي يرى أن هذا الجيل من المسلمين اليوم الذي يعتبر حمل السلاح من أجل تطبيق شرع الله جريمة هو في الواقع يتفهم المطالبة بتطبيق شرع الله ..

لكن الأسوأ يكمن في الجيل القادم الذي سيولد في ظل الديمقراطية والقوانين الوضعية ويتشرب القيم العلمانية سوف يعتبر حمل السلاح من أجل تطبيق شرع الله جريمة ..ومجرد المطالبة بتطبيق شرع الله جريمة نكراء  

ليس لدينا مبرر شرعي نحن السلفية الجهادية كي نترك هذا الأمر إلى الأجيال القادمة على وجه التسويف والانتظار فهذا تهرب من التكاليف الشرعية بلا مسوغ

نحن مخاطبون بالتحرك والعمل على مستوى جيلنا ..

وحين نتخلى عن القيام بما أوجب الله علينا من السعي الجاد إلى تطبيق شرع الله فلن يشفع لنا قيام الجيل الذي بعدنا بهذه المهمة على فرض انه صالح للقيام بها

السلفية الجهادية ترى أن أغلب بلاد المسلمين وفي المغرب بالخصوص أنهم بدلوا شرع الله بعد أن عطلوه واستدلوا على التبديل باتخاد الحكومة المغربية دستورا علمانيا مستمدة مواده وفصوله ومستقاة من دساتير الغرب ويجعل المرجعية في الأحكام لتصويت الشعب وقرارات الحكومة والقضاء يستمد شرعيته من نصوص القانون وليس من نصوص الشرع كما أن السلفية الجهادية ترى في الفصل – 19 – تأليه للملك وترى أن صلاحياته الدستورية تمنحه حق إعدام العملية السياسية أو منحها الحياة  وكون هذا الدستور ينص في ديباجته على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام وأنه مستمد من الشريعة فإن ذلك لا يجدي مع وجود البنود الكثيرة المصادمة لشرع الله التي ينص بعضها صراحة على أن

-*   السلطة العليا بيد الشعب

-*   والقانون هو التعبير الأعلي عن إرادة الشعب ويجب أن يخضع له الجميع

    -*   ويتولي البرلمان السلطة التشريعية .

وحين تقوم الحكومة باعتماد هذا الدستور الكفري وإلغاء الشريعة الإسلامية فهذا تبديل لا مجرد تعطيل  في نظر السلفية الجهادية.

هذا فيض من غيض وقليل من كثير وجزء من كل مما تستدل به السلفية الجهادية في وعيها العقدي في خروجها على حكامها .– خاصة في ظل وجود قوى دعوية وحركية وفكرية وسياسية وثقافية لا يستهان بها.تتلمس الأعذار والمبررات للتيار السلفي الجهادي.

صراع الأفكار

تكمن أهمية الأفكار في كونها اللاعب  الكبير في عسكرة الساحة العالمية  بين معسكرين الأول السلفيات القطرية بجانب القاعدة أما الثاني أمريكا وحلفائها الأوربيين والأنظمة العربية من جهة ثانية.

 إن صراع السلفية الجهادية هو صراع الأفكار ومعركة سحب البساط قبل أن تكون حرب ميدانية، وتعتقد السلفية الجهادية أن من شروط  كسبها الحرب على الإنظمة المستبدة والغرب من وراءها لا بد من تحقيق النصر في ساحة التدافع بالأفكار على مختلف الجبهات فكريا وسياسيا واقتصاديا وأخيرا عسكريا لحسم الصراع الذي سيأخد عقودا فاستطاعت السلفية الجهادية أن تحقق بعض النصر لتزايد أتباعها رغم الملاحقات والإعتقالات وأن تفرض مشروعها في الساحة الدولية كلاعب يعمل له ألف حساب.

– لم يقف التيار الجهادي مكتوف الأيدي فاعتمد غالبية السلفيين في جهادهم على مستويين فكري وعسكري وبدوافع إيديولوجية لكليهما الأول تصدرت له أقلام كتاب مفكرون ودعاة جهابذة جهاديون، أما على المستوى العسكري فقد انتُدب له العائدون من أفغانستان الذين أداروا المعارك في ساحاتها، ولو أتاحت الظروف لبعضهم الجهاد في فلسطين والعراق وأفغانستان من خلال عدد من التنظيمات الإسلامية التي حملت السلاح هناك، فإن الكثير ممن لم تسعفه الظروف، لجأ إلى أساليب أخرى كشن الهجمات في الدول الغربية، كما حدث في نيويورك 2001، ومدريد 2004 ، ولندن 2005، أو مقاتلة أنظمة الحكم المتحالفة مع الغرب، كما حدث في المغرب أحداث 16 ماي 2003 وموريطانيا وتونس في أحداث جربة والسعودية والأردن وغيرها.

 لهذا مازال التخوف  يشغل بال الأنظمة والأمنيين  والباحثين والصحفيين والغرب على الخصوص ، إذا ما تواطأ مكر التاريخ مع أرضية ملائمة كالاحتلال أو الظلم أو الإقصاء الإجتماعي أو الإستبداد أو توظيف حركات الإحتجاج… أو الفقر مثلا فسيقع انفجار يأخد الطابع السلفي بشكل تلقائي، ولو لم تتوفر الظروف فإن التيارات السلفية الدعوية والإصلاحية والحركية في تحليل الأنظمة الحاكمة  والغرب تبقى داعمة بشكل لا محدود للتيارات الجهادية.

 وهذ الطرح يملك من الوجاهة الموضوعية من بعض الزوايا لكن ليس بوسعنا تجاهل الإنقلابات الفكرية التي وقعت بالتوازي من التنظيمات السلفية الجهادية إلى محاضن التيارات السلفية التقليدية والبعض الآخر توجه للسلفية الحركية والبعض الآخر مارس اللجوء لجماعات الإسلام السياسي،  لحالات فردية سُجلت في هذا الإطار، كما يتجاهل مشروعية التحول مع الظروف المشروعة المفترضة.

ويبقى التيار السلفي في غالبه يحمل خلفية سلبية تجاه الأنظمة العربية والغرب ، وقد وجه رموز وشيوخ السلفية نقدا دقيقا للثقافة والحضارة والمناهج والسياسات الغربية التي استوردتها النظم العربية وأنتجوا كل ذلك بلغة مبسطة لم يجد في  فهمها  الدارس والباحث أدنى صعوبة بل في متناول الجمهور العريض من المسلمين في كل مكان.

ورغم موقف السلفية الصادم من المجتمع العربي المستورد لقيم الغرب المتفسخة ومن الغرب المصدر لها عن سوء نية بغية إيجاد مسلمين بالهوية  كمسلمي البوسنة والألبان وهذا لن يتحقق مالم يتم التعاون مع مسلمين معتدلين تتوفر فيهم المواصفات والشروط الأمريكية المتمثلة حسب التصور الأمريكي إنطلاقا من تقرير أعدته مؤسسة راند الأمريكية ………  RAND Corporation، وهي أكبر مركز فكري في العالم، كأحد أهم المؤسسات الفكرية الأمريكية المؤثرة على صناعة القرار في الإدارة الأمريكية الحالية، خاصة فيما يتعلق بمنطـقة الشـرق الأوسط. وقد أصدرت مؤسسة راند مؤخراً تقريراً في نـهاية شهـر مـارس من عـام 2007م (ربيـع الأول 1428هـ) بعـنوان (بناء شبكات مسلمة معتدلة) Building Moderate Muslim Networks، وهو تقرير متمم لسلسلة التقارير التي بدأ هذا المركز الفكري الهام والمؤثر في إصدارها لتحديد الأطر الفكرية للمواجهة مع العالم الإسلامي في الفترة التي أعقبت أحداث سبتمبر.
     اختبار الاعتدال

يخلص التقريرفي فصله الخامس  إلى صياغة مجموعة من الأسئلة التي يراها معـياراً للاعتـدال، وأن الإجابة عـنها تحدد اعتقاد الفرد أو الجماعة للحكم عليه بالاعتدال أم لا.

 ويوصي التقرير أن الإسلاميين يتظاهرون بالإعتدال لاعتمادهم الرخص، ووجود قائمة من الأسئلة المنتقاة والمتفق عليها يمكن أن تحل هذه المشكلة، وتكشف للإدارة الأمريكية بوضوح حقيقة نوايا الأفراد والجماعات من التيار الإسلامي ممّن يدَّعون الاعتدال أو يطالبون أن ُيعاملوا معاملة المعتدلين، وهو ما يجب أن يقتصر – حسب رؤية التقرير – على

اترك رد