الإعلام العربي يتساءل: إلى متى يستمر حصار “الصوفية” في المغرب؟!

0

     لا جدال في كوننا نعيش زمن انحجبت فيه الناس بصور الشعائر والعبادات عن جوهرها ومضمونها، وهذا ما انعكس بالسلب على شتى نواحي الحياة ومنها بل على رأسها

السيد شبل –

     لا جدال في كوننا نعيش زمن انحجبت فيه الناس بصور الشعائر والعبادات عن جوهرها ومضمونها، وهذا ما انعكس بالسلب على شتى نواحي الحياة ومنها بل على رأسها علاقتهم بخالقهم عز وجل؛ وقد قل في الناس من يوجههم إلى جوهر الدين، ويذكرهم بأن الدين في حقيقته هو مفاعلة بين العبد وربه، وأنه يستزيد به نورًا وصلاحًا، وأنه في أصله طريًا ونديًا، لا كما يصوره اليوم عوام الفقهاء. من هنا كان إعادة الاعتبار لمشايخ الصوفية (الربانيين منهم) أمر ضروري وواجب، من كونهم هم القلة المعتبرة في دلالة الخلق على ربهم وتعريفهم إياه، والسلوك بهم طريق المجاهدة والعلم للوصول إليه سبحانه.

     ورغم يقيننا في أن العارف تعشقه الأشياء عشقًا ذاتيًا، مهما غالطت نفسها فيه؛ إلا أن الحُجُب قد صارت كثيفة لدرجة أن غطت على نور الفطر (جمع فطرة)، وجعلت العوام يبخسون العارفين قدرهم، ويضيقون عليهم، عوضًا عن الإفساح لهم، وتركهم للمهمة السامية التي هم عليها ولها.

     يتجلى الأمر في القطر المغربي الشقيق، بتفحص الأسباب التي دفعت الشيخ عبد الغني العمري القاسمي الحسني شيخ الطريقة العمرية إلى الدخول في اعتصام هو وأسرته لمدة ثمانية أشهر تقريبًا، بعد تعرضهم لمضايقات ممنهجة ومستمرة من جانب مسؤولين حكوميين.

     وقد جاء بيان الطريقة الأول، الذي أشار إلى هذه القضية، في أواخر نوفمبر 2014، حيث أشار إلى أن شيخ الطريقة قد اعتاد على معاداة مسؤولي أجهزة الدولة له، في مدينته “جرادة”، منذ ما يقارب العَقد والنصف من الزمان؛ وذلك لابتعاده عن دوائر الفساد، بجميع أصنافها.

     ولقد كان لا يأبه لذلك، طالما كان الأمر مقتصرا على شخصه. وأما في الآونة الأخيرة، فإن الاعتداءات قد طالت أسرته، إلى أن بلغت تحريض زملاء العمل (التدريس) السافر، ضد أخت الشيخ التي تقوم بمهمة “نقيبة للطريقة” محليا؛ إلى الحد الذي بلغ الاحتجاجَ الجماعي الرسمي، مع مشاركة مدير المؤسسة شخصيا فيه، تحريضا وتنفيذا، وكذلك قيام بعض زملاء الأخت المذكورة بأفعال استفزازية ومضايقات، بصفة مستمرة، طوال سنين؛ ولا يزال الأمر على حاله إلى الآن. من جانب آخر تعرضت الأخت الصغرى للشيخ، والتي كانت تعمل مدرِّسة في قرية مجاورة، لمحاولة قتل، عن طريق تخريب سيارتها الشخصية؛ كان وراءها التحريض المشترك بين زملاء العمل -إدارةً وهيئةَ تدريس-، وبين بعض الساكنة المغرضين. وقد قامت النيابة الإقليمية لوزارة التربية، بإحالتها على المجلس التأديبي مرتين، من غير أن تثبت عليها أي مخالفة قانونية. وانتهى الأمر بفصلها عن العمل فصلا تعسفيا، لا مستند له، إلا استبداد النائب الإقليمي المَرَضي. وقد سبق هذه الأحداثَ، بعثُ عامل الإقليم السابق (م.ع) (وهو أعلى سلطة في الإقليم)، لمفتشَيْن إلى مقر عمل الأخت المذكورة، من أجل إرغامها على الانتقال من مدرستها -طوعا أو كرها- إلى مدرسة أقل تصنيفا، من دون سبب وجيه؛ الشيء الذي قوبل منها بالرفض التام. ولعل هذا الرفض، هو ما أدى إلى الأحداث الأخرى، والتي أسبقناها في الذكر كما تعرضت ابنة أخت الشيخ -وهي تلميذة في المستوى الإعدادي-، إلى مضايقات من طرف بعض إداريي وأساتذة المؤسسة التي ترتادها؛ وهو الشيء الذي يجعل الشكوك تحوم حول النائب الإقليمي لوزارة التربية مرة أخرى.

ورغم صدور عدد من البيانات والمقالات والتحقيقات الصحفية التي تناولت القضية بالشرح والتحليل، وأرادت بذلك لفت نظر المسؤولين إلى هذه القضية، إلا أن القضية ظلت على حالها، ولم يتم رفع الظلم عن أسرة الشيخ، بل زاد، فبعد ما يقارب خمسة أشهر من اعتصام شيخ الطريقة العمرية وأسرته داخل بيتهم، أي في أواخر إبريل 2015، أقدمت أكاديمية الجهة الشرقية للتربية والتكوين المهني، بعزل الأخت الثانية (ر.ع) لشيخ الطريقة، من منصبها (أستاذة من الدرجة الأولى)، دون مراعاة لأي اعتبار من الاعتبارات التي سبق بيانها للإدارات المختصة وللرأي العام، والتي من ضمنها الخوف على النفس من الاعتداء البدني المباشر؛ مما يؤكد أن كل ما تعرضت له أسرة الشيخ، كان مقصودا لأجهزة الدولة.

     إن قضية الشيخ العمري وأتباعه وأسرته، تميط اللثام عن عدد من المسائل، أهمها هو تربص جماعة الإخوان ومن شايعها ومن يدعمها من قوى خارجية بالصوفية (أهل التزكية) أينما كانوا، حيث أن الحكومة المغربية الحالية يرأسها حزب العدالة والتنمية، وهو حزب يزعم سيره على المنهاج الإسلامي “الإخواني”. فلم تعد هناك ثمة مساحة للجدل في أن القضية برمتها تؤكد زيف ادعاءات “الإسلاميين”، وتدعم كل ما قيل عن توظيفهم النفعي للدين، وأنهم لا يطلبون سوى مصالحهم الضيقة، وأن هدفهم الأبرز ولو مرحليًا هو تفريغ الساحة للتوجه الوهابي، وليس هذا ببعيد بأية حال عن مشروعات خارجية تستهدف الأمة في مقتل، إما بالقضاء على تنوعها ومصدر ثرائها، أو بالترويج لمنهاج يركز على صورة الدين لا روحه وجوهره، فتتخرج بذلك أجيال تمارس طقوسًا وعبادات جوفاء تزداد بها بعدًا عن الحق، على عكس ما يتوهم البعض!.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: