بالمهماز : أَظَلُّ أهابُ الرَّجُلَ حتى يُلعَلِْقَ لترتيبه في أي مقام يليق؟

0

site/groupebziouiholding

ريحانة برس- محمد عبيد

مما لا شك فيه أن مستوى النظر للأمور يختلف باختلاف الأشخاص، ولذلك نُسِبَتْ لـ«ألينور روزفلت» مقولة رائعة هي: «العقول الصغيرة تناقش الأشخاص، والعقول المتوسطة تناقش الأحداث، والعقول الكبيرة تناقش الأفكار»…
من هذا المنطلق سأحاول التطرق فى هذه الأساليب المتنوعة عند طرح مختلف أمورنا والنقاش مع الآخرين، إذ في حالات كثيرة لا يقف البعض عند اطلاعه على مادة صحفية عن نوعية هذه المادة من بين الأجناس الصحفية (بين الخبر والرأي والتقرير والبحث والروبورتاج….ووو) وبين الجيّد والرديء لأسباب ثقافية واجتماعية واقتصادية وقيّمية متداخلة مع بعضها البعض، سيما إن كان من بين هؤلاء المعلقين من يكونون في اعتقادك واعتبارك لهم أنهم من حاملي الأفكار النيرة والمفاهيم الجيدة لكل طرح ولكل نقاش عند قراءتهم لنشرة ما؟!! فيسقطون في فخاخ عقول سدجة إما عن وعي أو عن غيره المحدود تكوينها تربويا وثقافيا…. أو لاعتبارات ميزاجية تتشابك فيها خيوط القبلية أو العرقية أو النسبية أو أحيانا الإيديولوجية…. غير مستحضرين ان هناك مبدأ ” لكل مقام مقال!”، كما جاء في معجم “المعاني الجامع”، لأن تلك الكلمات تعد من العبارات المأثورة التى تعنى بأن وجود الإنسان فى موقف معين يحدد مسار كلامه واختياراته فى الموضوعات القابلة للطرح والمناقشة، إلا أن هناك البعض يلقي ما بداخله فى أى وقت ولأي شخص، فهل تلك الطريقة تؤتى ثمارها أم تفقد الإنسان الكثير من المكاسب؟
وفي الحقيقة استدعيتُ هذه المقولة بسبب بعض التعاليق التي سجلتها على البعض خلال متابعتي ومواكبتي للعالم الأزرق، من هواة التعليق “باش ما جاب الله”!!!؟… أصحاب غير أجي واطلق يا لسان!! وسيل يا مداد!!! وانقر يا أصبع “بلا ما توزن وبلا ميزان”!!… يدعون “النقد” سجلته في موقف حصل قبل أيام ماضية، ولهذا كان الرصد النقدي لهذا الموقف لم يخرج عن إطار المقولة السابقة.
صدق آينشتاين حينما أطلق مقولته الشهيرة: «أخشى أن يأتي اليوم الذي تطغى فيه التكنولوجيا على التواصل بين البشر.. سَيُكَوِّنُ العالم جيلا من الحمقى».
وسائل التواصل الاجتماعي قد صارت شاهدا محايدا نزيها، كشفت لنا حجم المفهومية لدى كل مشارك فيها، خصوصا من كنا نعتقد من خلال هيئته البراقة او تواجده في محافل (؟؟؟) أنه صاحب وعي.
ولذلك علينا جميعاً أن نحسن تقديم أنفسنا للآخرين، باختيار الكلام المفيد والنقاش الهادئ والعبارة المتعقلة وأن تتسم بالعقلانية في تعاليقنا ورددونا من دون تراخ أو تمييع، ولا حدّية أو شطط.
“قيل أن رجلاً جاء إلى سقراط يتبختر في مشيته ويتباهى بجمال هيبته وأناقة مظهره، فقال له سقراط: «تكلم حتى أراك»”…
ويقصد الفيلسوف اليوناني الشهير بمقولته تلك، أن قيمة الإنسان لا تكمن في مظهره الخارجي، بل فيما يحمله من أفكار ويكتنزه من معرفة يعبر عنهما عندما يشرع في التعبير سواء شفاهيا أو كتابيا… خاصة عن الردود….
فإذا كنت تريد أن تعرف قدر امرئ ومدى علمه ومستوى أخلاقه، فعليك أن تصغي السمع له أو تقرأ له إما كتابة او تعليق، وتتلمس من وراء كلماته التي ينطق بها حقيقة أمره.
وعليه، ما أكثر أصحاب العقول الفارغة والنفوس الضعيفة في مجتمعاتنا المعاصرة التي استشرت السطحية بين جنباتها..
إن العالم الجديد اليوم بما أتاحه من وسائل التواصل المتنوعة أصبح للأسف الشديد مرتعاً للسذج، وحقلاً مفروشاً بالأزاهير لكل تافه يجد في متناول يديه كل ما يلزمه لنشر أفكاره الهابطة، ومنصة عالمية لكل جاهل يريد أن يعبر عما يجيش في عقله المتهالك ووجدانه الضحل من أفكار ومشاعر دونية لا تسمن ولا تغني من جوع.
بنظرة سريعة، يمكنك أن ترى كمية الهراء المتداول على منصات التواصل الاجتماعي، وكمّ التعاليق حاملة للأفكار المضللة والسوداوية والسخيفة هنا وهناك؛ لأن التطور التكنولوجي أعطى لكل إنسان على وجه هذه المعمورة القدرة على قول ما يريده في الوقت الذي يريده..
لكل إنسان فينا دور في هذه المعادلة، فإذا كان المتحدث غبيّاً فالمفترض أن لم أقل المفروض في المتلقي أن يكون يملك عقلاً يميز من خلاله بين الصواب والخطأ، بين المحتوى الجاد والمحتوى العبثي، بين الطرح القيم والطرح الهابط.
وقديما أيضا قال الإمام على بن أبى طالب: “الرجال صناديق مغلقة مفاتيحها الكلام”.
كلمة قالها الإمام ليعيد تشكيل المعنى نفسه الذى قصده سقراط من قبل، والثقافات الإنسانية تمتلئ بهذه التنويعات على هذا المعنى أيضا.. إذن للكلام فائدة أخرى غير الثرثرة وغير توصيل المعنى والإفهام والتعبير عن المتطلبات التى يريدها الرجل من غيره، إنها شخصية الإنسان، الكلام يحدد أى الرجال أنت، أعاقل أم أحمق.. أمتزن أم متهور أحكيم أم موتور.. أمسؤول أم معول.. أصاحب رأي أم إمعة إن قال الناس قلت وإن صمتوا سكنت.
واستخدام سقراط في قوله “أراك” ولم يقل “أعرفك” أو “أفهمك”، فهو فعل مقصود يعني أنت فى صمتك وسط هذه المعارك وهذه الحياة الصعبة ما لم يكن لك رأي ولم تعبر سواء بالرضا أو الغضب فأنت غير مرئي لا أحد يراك.. فصوتك يعبر عن وجودك وهو أكثر من مجرد قدرة على الحديث.. فكلامك هو أنت..
وسقراط لا يدعو إلى الثرثرة لأنها نقيصة فى الإنسان، وفى الوقت نفسه لا يدعو إلى “البكم” لأنه أيضا يُضَيِّعُ الحق الواضح البائن.. لكنه يدعو للاتزان ومعرفة قدر الكلمة، ففي حالة أن يدرك الإنسان أن الكلمة التي يقولها تعبر عن شخصه وقدره فى الحياة سيقيم لها حسابا يليق بها ولا يقلل من قيمتها أو يتركها على عواهنها كحجارة ملقاة فى الطريق ولا يمنعها فى وقتها لأنها سوف تصبح ضرورة وحتمية.
يقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «أظل أهاب الرجل حتى يتكلم، فإن تكلم سقط من عيني، أو رفع نفسه عندي»..
فما هي الأفكار المبدعة التي تدور في ذهنك اليوم؟

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: