التصوف والحاجة الملحة إلى إحياء الأصول وتجديد المفاهيم

0

site/groupebziouiholding

ريحانة برس – عبدالإله الوزاني التهامي

— نلمس في حياة المغاربة خصوصا آثارا بليغة للتصوف ، المتوارثة قيمه و مثله أبا عن جد ، سواء في العبادات أو المعاملات أو حتى الصناعات و الأعمال الإنسانية كلها ، إذ كان لأقطاب التصوف دور محوري في صياغة الشخصية المغربية ، على المستويات الحياتية المختلفة .

لكننا نجد أن قضايا التصوف و الزوايا في المغرب ، قد مثلت نوعا من “التابوهات” ، و تم تناولها رسميا أو أكاديميا أو إعلاميا ، بكثير من التحفظ المحفوف بالتضليل ، و تمت معالجتها بشكل سطحي لم ينفذ إلى أعماق التصوف و لبه ، إما خوفا من تبعات محتملة أو طمعا في التقرب إلى الطرف الماسك بزمان الشأن الديني و السياسي في البلد .

لهذا لم يكتب لكثير من الحقائق في عالم التصوف حظ النشر و الانتشار ، مثل أنماط التنظيم داخل الزاوية و طريقة تكوين الكتائب الجهادية و وسائل استقطاب الخاصة من القبائل و العامة ، و السر في نجاح عملية التحكيم بين المتنازعين و السر في تمكن الزاوية من قيامها بالأعمال الاجتماعية الضخمة لصالح ملايين الناس دون دعم الدولة ، … و بقيت كل تلك الأسرار و الحقائق مغمورة تتداول في أوساط ضيقة ، أو مجهولة بفعل التكتم القصدي ، لأن سطوة الحاكم المضادة في الغالب للزاوية المغضوب عليها ، لم تكن تسمح بتسرب أو نشر ما يلمع صورة زاوية تقع أصلا تحت النظرة السوداء .

و ما نشر في غالبيته لا يتجاوز سقفا مرسوما و لا يقدم صورة متكاملة الجوانب عن تصوف الزاوية المغضوب عليها أو التي أريد لها أن تبقى في الظل ، و لا يقدم أشياء مهمة فيما يخص الإشكالات و الصدامات و التجاذبات الكبرى التي طبعت علاقة القوى السياسية و الزاوياتية فيما بينها ، و كمثال جلي على ذلك ، فإن المغاربة لا يعرفون إلا القشور عن علاقة القصر بالزاوية الكتانية و برموزها ، و عن علاقة الزاوية الوزانية بالمخزن .

و لا زال المؤرخون و الفقهاء و المتصوفة الرسميون و من والاهم يعيشون بذهنية إخفاء الحقائق ، اعتقادا منهم بأنهم يستطيعون احتكار التاريخ و تقنينه و توجيهه إلى مالا نهاية ، و ذلك خوفا من ظهور دلائل و أسرار تحط من أهمية قيمة الماسكين بزمام الشرعية الدينية ، فهم لا يرغبون في أن يعرف الشعب و المهتمون بالتصوف الحقيقة ، و لا أن يفهموا تفاصيل التاريخ و القوى الصوفية الفاعلة فيه ، ليبقى الجميع تحت سطوة السمع و الطاعة و لا يتجاوزون ثقافة الانصياع ، إلى درجة التفهم و البحث عن الحقيقة و التفاعل معها و تبيانها و كشفها ، و يبقى خوف المؤرخ و الفاعل الرسمي مهيمنا على كل الكتابات ، حتى لا تتكون لدى عامة الناس و المهتمين بتاريخ المغرب خاصة ، قناعة مفادها أن هناك حقائق تاريخية غير التي تظهر على شاشة الواقع الإعلامي و الأكاديمي و الدراسي ، ميزتها أنها لا تظهر حقيقة و تخفي أخرى .

إن موضوع التصوف و الزوايا في المغرب ، من أعوص المواضيع التي تتطلب احتياطات كبيرة عند تناولها ، لأنه لا يعقل أن نصدق ما هو مكتوب في نصوص دبجت بأوامر فوقية ، و بأقلام مأجورة و على ألسن طيعة ، و لا أن نعثر على الحقيقة الصادقة ، التي من شأنها عدم الميل لصالح كفة دون أخرى ، و أقل دليل ما نحياه حاليا من طغيان فاحش باذخ للزاوية البدشيشية ، التي ملأت علينا أسماعنا و أبصارنا ، في القنوات و الفضائيات العمومية ، التي يؤدي كل المغاربة فاتورتها الضريبية كل شهر ، دون وجود تكافؤ الفرص و لا تنوع في الاستفادة من الملك العمومي ، بإحضار زوايا أخرى لإبراز ما لديها ، من إبدعات و برامج و طروحات ، أخلاقية و قيمية و سلوكية و معاملاتية .

و في الوقت الذي تفرش فيه الأرض أمام الزاوية البدشيشية بالزرابي و الورود الرسمية ، يتم اعتراض سبيل زوايا أخرى ، بالترامي على ممتلكاتها و بتدمير معالمها التاريخية و بتدجين و تطويع نخبها و بسجن بعضهم أو تدميرهم نفسيا ، قصد إحكام طوق الحصار على كل أمل في العودة إلى ساحة الفعل الصوفي ، بالوزن الذي كانت عليه تلك الزاوية في زمن ليس ببعيد ، يشهد على تحضره و تقدمه العالم أجمع .

ينبغي ألا ننسى بأن المرجعية الضابطة لمعيارية القيم الأخلاقية لدى الزوايا الصوفية ، هي مرجعية الوحي ، بخلاف الحكام المستبدين الحاكمين وفق أهوائهم ، فإن مرجعيتهم تستند إلى منطق القوة و الغلبة و التسلط و الاستبداد ، و تأمين اسمرارية التحكم في الرقاب ، مستعملين في ذلك آليات “بشرية” و لوجيستية ، تكون في الغالب من جنس القوى التي أريد ضربها و القضاء عليها ، مثلما هو شأن توظيف زاوية ضد زوايا أخرى باستعمال “رأس” منها ، على هرم سلطة دينية لا تعرف من العدل و الإنصاف أثرا و لا خبرا .

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: