بالمهماز: الإحتجاجات بالمغرب! ظاهرة صحية أم فقط ظاهرة لامتصاص الغضب؟

0

site/groupebziouiholding

ريحانة برس –  محمد عبيد

الكاريكاتور بريشة : الفنان محمد آيت خويا(قلعة مكونة)

لسْتُ بسياسي ولا انتماء لي سياسيا (منذ أن حصل طلاق بيني وبين العمل السياسي الميداني ما يفوق العشرين سنة من الآن)، وإن كنت مازلت أتابع وأهتم للشأن السياسي إن محليا أو وطنيا وأحيانا أناقش الوضع السياسي من باب إعلامي مستقل، قد أكون فيه برؤيتي تلك قد أصبت، كما أكون فيها قد أخطأت حسب قراءاتي للأوضاع وتسلسل الأحداث، هو كذلك الأمر بالنسبة لما يهم الشؤون المحلية أو الإقليمية التي كثيرا ما كتبت عنها، وكثيرا ما أقلقت العديد من الناس سواء إداريا أو إيديولوجيا أو مجتمعيا أو حتى اجتماعيا… من حق الكل أن يقف موقفه بشكل ديمقراطي وفي إطار ديمقراطية الرأي!؟؟… واليوم ولو أني كنت قد قررت أخذ مسافة من نقاش قضايا السياسة، وظواهر الاحتجاج على السياسات العمومية..، وإن كان قد أتى تحفظي في هذا الباب، وربما أكثر من اللزوم.. للتشنجات والتعصب الذي عادة يطبع هذا النقاش، غير أن تعليقات الأصدقاء، وآرائهم، التي تقتحم علي خلوتي وبيوتي، من أبواب وسائل التواصل الاجتماعي، اضطرتني للعودة إلى فضاء النقاش العمومي، والإدلاء برأيي فيما يعيشه بلدنا، رأيٌ ربما قد يغضب – مرة أخرى- الكثير من هؤلاء المتابعين والأصدقاء والمهتمين، ولكن اعتبره حقيقةً – فيما أتصور- نتجاهلها، ولا نملك الشجاعة للتعبير عنها، أو نجهلها، والمرء عدو ما جهل.

هذه الديباحية أتيت بها وقد استوقفتني ظاهرة استفحل انتشارها بوطني عموما خلال العقدين الأخيرين أكثر مما سبقه من عقود، ظاهرة الاحتجاجات: هل هي ظاهرة صحية أم فقط ظاهرة امتصاص الغضب لدى المواطن بشكل عام؟

فكما هو معلوم، يشهد المغرب احتجاجات غير مسبوقة، حيث تصاعدت وتيرة الاحتجاجات الشعبية، وبات النظام السياسي في مواجهة صعبة مع نمط جديد من رفض ما يوصف بـسياسات المحاصصة والفساد وما أدى إلى ارتفاع تكاليف العيش، إذ زاوجت السلطات الحكومية بين وعود الإصلاح في إطار الدستور والفشل في حماية المواطنين من تقهقهر اوضاعهم الاجتماعية، وظلت تتهم جهات مجهولة بارتكابها، لكن لم تحددها أو تضع حدا لممارساتها.

وقد تدرجت المطالب، حسب هذه البيانات والتصريحات التي صدرت في جل المحطات الاحتجاجية من الحق في العمل إلى تحسين مستويات العيش للقضاء على الفساد إلى أن وصلت الآن إلى سقف مرتفع..

وتمثل الاحتجاجات الراهنة ذروة الرفض الشعبي في المغرب للسياسات المتبعة من قبل الحكومات المتعاقبة منذ سنة2011 “بالأساس”… كونها تسببت هذه السياسات، حسب المحتجين، بنشر الفقر والتخلف والمرض بين غالبية أبناء الشعب، فضلًا عمَّا سببته من انقسام اجتماعي على أساس الإيديولوجيات وأحيانا القبائلية والعشيرة بسبب سياسات المحاباة والمجاملة للمقربين من قيادات وزعامات إن إدارية أو سياسية في إسناد المناصب والمسؤوليات، أوفي توزيع المهام والسلط؟!!، … كما توجَّه للحكومات المتعاقبة اتهامات بالفساد، يعتبر من بين الأعلى مستوى عالميا….

يعزو المغاربة هذا الخلل الجسيم بين قدرات المغرب المالية الحقيقية (الفوسفاط نموذجا) وبين الأوضاع الاقتصادية الصعبة لشعبه، إلى الفساد وسوء الإدارة والهدر المالي الذي ميز الحكومات المغربية المتعاقبة على شؤون البلاد والعباد منذ امد…

لقد تسبب سوء الإدارة والإهمال والفساد في إهدار فرص كثيرة سنحت للمغرب للخروج من نفق الفقر والتخلف…

لكن المشكلة كانت على الدوام تدور حول ما يوصف من قبل المتظاهرين وحتى المتخصصين، بتقاسم مصادر الثروة في البلاد بين قوى وشخصيات سيطرت على المشهد المغربي الذي فرض نفسه على النظام السياسي المغربي وصار عنوانًا أساسيًّا لكل الإخفاقات اللاحقة.

يؤكد العديد من المتظاهرين في كل مناسبة احتجاجية أن الطبقة السياسية الراهنة في المغرب فشلت في إدارة البلاد، وأهدرت موارده، وعطلت فرص التنمية، وفرضت نظامًا سياسيًّا على مقاسها يقسِّم الدولة والمجتمع، ولذلك فهي غير جديرة بالاستمرار ويفضل الكثير من المهتمين بالشأن السياسي تسليم الحكم لطبقة من التكنوقراط غير المسيسين القادرين على استغلال ثروات البلاد في برامج التنمية وبناء مستقبل البلاد بها..

حتى الآن، فشلت الحكومات المتعاقبة بالمغرب في إقناع المحتجين بمصداقية التزاماتها وجدية ما قدمته من (حزم إصلاحية) ووعود بالإصلاحات السياسية، ولم تتمكن سواء من خلال القمع أو الدعوات السياسية من تهدئة الاحتجاجات أو التخفيف منها، وباتت الكتل الشعبية المتظاهرة تضغط بثقة أكبر للوصول إلى ما تراه (تغييرًا شاملًا)…

وتسبب انعدام ثقة المحتجين بالحكومة في غلق الطريق أمام إيجاد تسوية مقبولة للوضع الاجتماعي المتأزم في المغرب، فمن جهة، يرى المحتجون أن الحكومة المغربية ليست لديها مصداقية، لأنها في نظرهم أخلفت من قبل وعودًا عدة قدمتها خلال احتجاجات سابقة، فضلًا عن أن طبيعة التدبير الحكومي ذاته لا تسمح بإصلاحات ذات معنى.

وخلال موجة الاحتجاجات، سعت السلطات المغربية إلى محاولة امتصاص غضب المتظاهرين بتقديم ما وصفته بحزم إصلاحية تتعلق بالحالة المعيشية للسكان وتوفير فرص عمل لأعداد منهم، وكذلك بتقديم وعود بإصلاحات سياسية وتسريع الإجراءات القضائية ضد الأشخاص المتهمين بالفساد، لكن هذه السلطات رفضت بشكل مستمر، ما تعتبره إجراءات خارج الغطاء الدستوري لأنها تتسبب في فراغ سلطة يمكن أن يقود إلى الفوضى في البلاد، وفي مقدمة ذلك رفض أحد مطالب عدد من المتظاهرين المتمثل باستقالة الحكومة.

وإن كان المحتجون يحافظون على الطابع السلمي للتظاهر لكن اعتماد القمع أحيانا قد يدفع بعض المحتجين إلى الاعتقاد بأن العنف المضاد هو الحل، وهو ما سجل عن أحداث ببعض مدن المغرب يوم الذكرى 11حركة 20فبراير من أحداث محاولات نسف او قمع وقفات احتجاجية بكل من مريرت واكادير …فضلا عن ما شهده السوق الأسبوعي حد ولاد جلول بالقنيطرة، الأحد الأخير (20فبراير2022) ، الحدث الذي علق عليه عدد من السياسيين والفاعلين الذين تجمعوا على أن هذا الحدث لا علاقة له بالسرقة كما يحاول البعض الترويج لذلك، بل له علاقة بقرارات حكومية وسياسة تدبيرية ورد فعل على موجات الغلاد التي تعرفها البلاد، وإلى كونه رد فعل على المضاربة وغلاء الأسعار وعدم حماية المواطن وتركه في مواجهة الارتفاع المهول للأسعار!؟؟ إذ لا حديث داخل الأسر وفي الشارع بالمغرب يعلو على أزمة ارتفاع الأسعار، فالجميع يتساءل إلى أين تمضي الأمور؟ وإلى متى سيتحمل الجميع هذه الزيادات المتوالية؟…

في كل الأحوال تعتمد السلطات في المغرب على عامل الزمن، سواء بانتظار حلول الشتاء القارص الذي يضعف المشاركة في المظاهرات والاعتصامات أو بما تسببه الاحتجاجات من تعطيل للمصالح العامة وغلق للطرق أو تقليص لحجم المعروض من مواد غذائية ومستلزمات حياتية قد تجعل الاحتجاجات أقل شعبية وتمنح الحكومة فرصًا أكبر لإقناع المحتجين بقبول ما عُرض عليهم، في حين حذر مراقبون من انفجار اجتماعي مرتقب جراء ذلك.

وقد تدفع قوى داخل البلاد إلى هذا الاتجاه لكن حظوظ هذا السيناريو ضعيفة؟

إن مآل الحركات الاحتجاجية، وتطوراتها، وأشكال عملها.. في السنوات القليلة الماضية يكشف بالملموس عن سطحية وسذاجة كبيرة تميز هذه الحركات من الناحية الفكرية والسياسية، ويكشف أيضا عن ضعف الأصوات الراشدة داخلها، وتواضعها أمام الأصوات المراهقة، حيث أمست هذه الحركات «جيوبا» و«خلايا» نَشِطَة لكل أشكال التنطع السياسي، وفضاء رحبا للمغامرين.

بطبيعة الحال، هذه الظاهرة الاحتجاجية الفقيرة سياسيا، من حيث الخطابة والمطالب، نؤدي ثمنها باهظا كدولة، وكمجتمع، وكمشروع للإصلاح والتقدم، الذي يتعرض للانتكاسة كل مرة تحت ضربات الاحتجاج، ويدخل دروب المناورة والمراوغة التي تتطلب سنوات للخروج منها.

هذا الكلام، ليس معناه ومقتضاه إنكار شرعية الاحتجاج، وتبخيسه، والضرب في شرعيته، بل على العكس من ذلك، فالاحتجاج الراشد، والمسؤول، والذي يرعاه وسطاء شرعيون.. ظاهرة صحية، وجزء من العملية السياسية الديمقراطية، ومحرك أساسي للإصلاح والتقدم، لكن ظاهرة الاحتجاج التي تضخمت في بلادنا في السنوات القليلة الماضية، والتي نتحدث عنها في هذه المناسبة، خارج كل أطر الرعاية السياسية، وبدون تأطير عقلاني راشد، ليست من هذا النوع، وبعيدة عنه، فهي أقرب ما تكون لحالة العصيان منها إلى الاحتجاج، فغرضها في النهاية هو قهر الدولة، وإكراهها على الاستجابة لمطالبها «الضيقة»، ولا تتفهم هموم الدولة، ومشروعها الإصلاحي.. وغير منفتحة عليها، وتتعامل معها كما تعامل العدو.

ربما ليس الوقت مناسبا للحديث مطولا، وبتفصيل عن هذه الظاهرة، ومتعلقاتها، من حيث الأسباب، والانعكاسات، والعلاج.. ولكن أظن أن الوقت مناسب جدا للإشارة إلى كلفة هذا النوع من الاحتجاج، وأعطابه، وأضرار التطبيع معه، وتأييده بالصمت أو الجهر!؟…

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: