التنمية شعارات رنانة، وفي الواقع عيانة

0

site/groupebziouiholding

ريحانة برس – محمد عبيد

الكاريكاتور للفنان : محمد أيت خويا – قلعة مكونة

ما حصل بمدينة الزاك نهاية الأسبوع الأخير (السبت 12 فبراير 2022) وما تناقلته اصداء مصورة واخبار محلية هناك بمناسبة زيارة والي المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والوفد المرافق له للمنطقة، وذلك على إثر احتجاجات لعدد من المواطنين رافعين شعارات معبرة عن الواقع الذي يعيشونه جراء انعدام فرص الشغل والتهميش والإقصاء- وفق تعبيرهم -الموثق في فيديو- ومنددين بما وصفوه بسياسة التماطل ونهج اسلوب الأبواب الموصودة والأذان الصماء التي ينهجها مسؤولو ومنتخبو المدينة في حق أبناء المنطقة، لحرمانهم من الاستفادة من اي مشاريع او اي مبادرات على غرار باقي عمالات واقاليم البلاد.

وما رافق هذه الحالة من تدخلات للقوات العمومية ( الدرك و القوات المساعدة ) لمنع المحتجين من تبليغ صوتهم لمسؤول عن الدولة ووضعه في الصورة من حيث ما يثار وقال بشأن التنمية البشرية، يدفعنا للحديث عن التنمية ببلادنا حيث الكثيرين من بيننا ممن نهموا الكثير من كتب ما يسمى بالتنمية البشرية، إلى أن ملوها وحفظوها عن ظهر قلب..

واقعة الزاك ماهي الا نموذج لعدد كبير من النماذج التي صرنا نقف عليها في عدد من المناطق بالمغرب تعري عن واقع مزيف، كون صار بيننا الكثيرون محاضرون يبنون للآخرين قصوراً من رمال ويبعون لهم السمك في البحر، واكتشف الكثير منا في آخر المطاف أنها مجرد خدعة، خاصة وأن الكتب او اللقاءات -إن لم أقُل كلها- التي تدعي التحسيس والتوعية بالتنمية تمشي في النسق نفسه، وتبني على نفس الرؤى والأفكار.

فصرنا كلما نفتح صفحتنا على الفيسبوك إلا ونجد العديد من الشعارات التي تدعي تنظيم دورات لا تنتهي وبعناوين مختلفة، هدفها إثارتنا ودفعنا للحضور بأي طريقة، فهذا يكتب عنواناً يقول لك فيه: المجتمع الفلاني في خدمة التنمية المحلية؟… السلطات بمشاريع ورقية تعزز مكانة التنمية المحلية أو البشرية؟!!… ويوظف الكثير من هؤلاء جملة من المصطلحات الرنانة التي تزعم دعم القدرات وتطوير المهارات والتشاركية وووو… وتسخيرها في خدمة التنمية؟ ويذهب آخرون إلى ربط التنمية بنوع من السلوكات والممارسات: “كيف تجلس قرب العروس في ليلة الزفاف بدون أن تعرق!؟”، والواحد منا أصلاً متخرج في الجامعة منذ فجر الاستقلال ولم يجد بعد عملاً، وآخر يقدم لك دورة عن كيف تصبح مخططاً بارعاً كأنما ورث عن والده شركات وأراضي ومشاريع وهو بالكاد يتدبر ثمن فنجان قهوة سوداء بعد أن حشوا رأسه بالأحلام.

فكرة التنمية البشرية أصبحت وهماً كبيراً، وخلقت لنفسها كتاباً وأفلاماً وأتباعاً ومحبين بلا عدد، ومن شتى بقاع العالم وأصبحت تجارة رخيصة، وأي كتاب من تلك الكتب لا يخلو من الكلمات نفسها والأمثلة ذاتها، فتجدهم يحدثونك عن صاحب فكرة دجاج كنتاكي، وكيف أن الرجل كان جندياً أميركياً متقاعداً، وكيف ساءت ظروفه المالية واكتشف فجأة طريقة خاصة لطهو الدجاج فغزا الرجل العالم بفكرته ودجاجه، إلى قصة الياباني هوندا ودوره في صناعة السيارات، دون إغفال قصة بيل غيتس وتخليه عن مساره الدراسي وستيف جوبز وصاحب الفيسبوك مارك زوكربيرغ وآخرين.

تقول لنا تلك الكتب: إنه كي تنجح يجب أن تستيقظ كل صباح، وتقول لنفسك طيلة اليوم: أنا ناجح، أنا ناجح، فيما يشبه الضحك على الذقون، وجعل الناس يتوهمون أنهم قادرون على تحقيق أحلام تتجاوز بكثير قدراتهم الحقيقية.

صحيح أن تلك القصص قصص نجاح حقيقي، تستحق منا كل التقدير والاحترام، لكن الحقيقة أن الظروف تختلف من بلد لآخر بل ومن شخص لآخر، ولا يمكن للواحد منا أن يلقى نفس قدر ومصير الآخرين، وأضِف الى هذا أن أغلبية القصص منبعها دول تمثل نموذجاً حقيقياً للعمل والكفاح، وفي كل الأحوال لا يمكنك أن تقارن الحياة وشكلها في بلد كاليابان أو الصين أو ألمانيا أو الولايات المتحدة الأميركية مع الشكل الموجود في دول العالم الثالث بصفة عامة والدول العربية بصفة خاصة، فنحن أصلاً لا نزال نتساءل عن مدى مصداقية جواز سياقه المرأة للسيارة من عدمها!؟؟..

في واقع عيشنا المغربي كل شيء يقتل فيك الأمل، من الأسرة للمدرسة للشارع وفي العمل، ولا تتاح لك الفرصة بشكل كبير لتعمل ما تحب أو حتى تقترب منه، فتجد الواحد منا ابتدأ فقيهاً حافظاً لكتاب الله في مسجد صغير ثم أصبح حلاقاً في زاوية الشارع، وانتهى به الحال يحرس في أرصفة الشوارع كل المحركات، وكم واحداً كان حلمه أن يصبح مطرباً مشهوراً فأغلقوا أمامه جميع الأبواب! وكم من موهبة كروية لم ترَ النور! وكم من واحد كان بائع دجاج فأصبح كهربائياً، كل هذا لأن لقمة العيش حارة في سجوننا -عفواً في أوطاننا- وبيل غيتس نفسه لو عاش بيننا لكان سينتهي به المطاف وفي أحسن حال صاحب مقهى إنترنت وبائعاً لبطاقات التعبئة.

عندما يحدثونك عن التنمية، سوف تبصر ناطحات سحاب ذات الواجهة الزجاجية، لا تنسى المحلات الفارهة للعطور والحلويات و الملابس ذات الماركات العالمية، مطاعم حديثة، ومحلات للأكلات التقليدية، في الطريق العام المارة من الناس يترددون بين المحلات، المقاهي تحملك برائحة قهوتها الى الأزمنة العريقة، تتخلل الشارع الكبير قطع خضراء من الجنة، أماكن الراحة و الإسترخاء بين المناظر الخضراء….

لا يكفي أن نرفع «بمناسبة ومن مناسبة» شعارات من نوع المواطن هو غاية التنمية فيما هو يعيش على هامش التنمية، ويغيب عن بالنا أن التنمية ليست العمارات الشاهقة، والمجمعات السكنية، وليست المصانع الجاهزة المستوردة في الآلات والأفكار والمهارات والإدارات، وليست كيانات رسمية جديدة نملؤها بموظفين معظمهم لا يعملون ولا ينتجون، وليست التنمية في شراء أحدث الأجهزة والمعدات، او إقامة المشاريع غير المنتجة، او عقد الصفقات او تنظيم المناقصات!؟…

التنمية قضية القضايا ولا تزال، وهي من هذه الزاوية تعني تحقيق نهضة عامة، تعني الرقي بالمجتمع بجميع أركانه ومكوناته، وتعني بناء التنظيم المجتمعي، وتعني أيضاً العدالة الاجتماعية والقضاء على الفساد، تعني زجّ جميع قوى المجتمع في عملية دفع ذاتي للعمل والبناء والإنجاز، تعني آفاقًا واضحة لمصالح المجتمع والقواعد الرشيدة للمضي بالمجتمع الى الأمام، تعني ايضاً كما قال الدكتور غازي القصيبي (شاعر وأديب وكاتب سعودي وسفير دبلوماسي ووزير سابق) في كتابه: “التنمية.. الأسئلة الكبرى”، درجة من التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وهي في محصلتها النهائية وسيلة وليست غاية، وسيلة نحو الارتفاع بمستوى الانسان الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي..، ومضيفاً: “إن كل ما يؤدي، على أي نحو الى الإضرار بالإنسان، جسداً او روحاً، لا بد وأن يكون عملاً معادياً للتنمية حتى لو ارتكب باسمها”، ولا ننسى دور الذهنية التنموية، هذه الذهنية لا تبحث عن حلول سريعة إذا كانت السرعة غير مقترنة بالكفاءة، وهي قادرة على أن تحقق الكثير، تتبنى وتعتمد وتنفذ سياسات وبرامج ومشاريع تنموية مطلوبة ولازمة، وقادرة أن تتعامل بفعالية مع المعضلات التي تواجه المجتمع، بدلاً من المسكنات والإجراءات الرمزية او الترقيعية، والقصيبي يرى في إشارة لها دلالة أن “هذه الذهنية تستطيع أن تنفذ المشاريع بحدٍّ أدنى من التكلفة بدلاً من الحد الأعلى الذي نراه الآن في كل مكان من العالم الثالث”، وعليه فإن الذهنية التنموية، والتنمية يعبران بالنهاية عن إرادة وطنية واعية بمصالح المجتمع والوطن، وإلا تحولت الى “مجهود مستميت لنقل قشور العالم الأول”… والمأساة بدأت عندما استقر في الأذهان أن التغيير في حد ذاته، يعني التنمية!…

الحديث عن التنمية يصبح مفرغاً من مضمونه عندما تكون التنمية وإدارة التنمية بكل مقتضياتها وتعقيداتها ومنطلقاتها بمثابة ترف فكري، ترف يجعلنا ننشغل بالشعارات عن المضامين، عن الجوهر، شعارات ننشغل او نُشغل بها، نتداولها في المناسبات للتدليل على تقدمنا في التنمية، في الوقت الذي نمارس ما يناقض او يشوّه او يعطل التنمية الحقة، سواء من خلال عدم تمكين أصحاب العلم والكفاءة والاختصاص من قيادة المنظومة التي تحقق التنمية، او عجز التعليم والجامعات ومراكز الدراسات والبحوث من أن يكون لها دور حقيقي في قضية التنمية، ولذلك ليس غريباً أن يذهب البعض الى أن ما تشهده البلاد بوجه عام ليس “تنمية” بل “نمواً” من منطلق أن التنمية تقوم على قاعدة إنتاجية قادرة على الاستمرار في المدى الطويل.

فإلى الذين ما انفكوا يحدثوننا عن التنمية، ويحاضرون فيها، ويعقدون باسمها الاجتماعات والندوات والمؤتمرات، ويستعرضون فيها تجارب الدول المتقدمة في التنمية، ويصدرون حولها الرؤى والدراسات والتوصيات، ويسافرون من أجل الاطلاع على تجارب الدول الأخرى في التنمية، الى هؤلاء وغيرهم، نقول إن التنمية الحقة هي “تنمية الناس من أجل الناس وبواسطة الناس، هكذا وصف برنامج الأمم المتحدة التنمية، وهذا يعني أنها عملية مجتمعية تكاملية شاملة ودائمة، المواطن فيها الغاية والوسيلة والهدف”…

الحياة -في نظري على الأقل- بنسبة 80٪ عمل وصبر وكفاح، ونسبة العشرين المتبقية حظ، رغم أن الكثيرين قد يعترضون على هذا التقييم.

هذا هو واقعنا حينما يحدثونك عن التنمية، وهكذا تراه في الصور حينما تخبرك الحقيقة…فكفانا وهما للادعاء بالتنمية البشرية؟! ما دمنا فقط نتغى بالتنمية وبشعارات استهلاكية رنانة، وهي في واقع الحال عيانة!؟؟

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: