محمد سعيد يكتب في ذكرى الأندلس

0

site/groupebziouiholding

محمد سعيد – ريحانة برس

يعتبر يوم (28 فبراير) عيد وطني بإسبانيا احتفاء بعدوة الأندلس واستحضاراً لتاريخها الحضاري والثقافي، وتجانس اختلافاتها العقدية بين مواطنيها، فهذا الاحتفاء هو راجع للاستفتاء الذي تم سنة (1980) إذ أعطى حكما ذاتياً كاملا للأندلس، وتعود جدور مطلب الاستقلال الذاتي إلى النص الذي تمت صياغته سنة (1983) من طرف جمعية “روندا” المنعقد سنة (1918)، الذي تمت الموافقة فيه على علم وشعار الأندلس، ووصف بالإعلان الأندلسي لقرطبة سنة (1919)، واعتبر الأندلس على أنها واقع وطني، و اليوم تحتفل به إسبانيا، مستحضرة فيه شخصية “المعتمد بن عباد” كشخصية أندلسية بامتياز، ونحن هنا بالضفة الأخرى (المغرب، تونس، الجزائر) تناسينا هذا الملك الأديب، والشاعر، ونسينا أيضاً مأساة الموريسكيين من بعده الذين استوطنوا هذه العدوة، فنحن الأولى أن نحتفي بالأندلس واسترجاع تاريخها الفكري و الثقافي، فلماذا لا نسترجع هذا التاريخ ونحتفي به؟ لماذا لا نحتفي بيوم عيد وطني إسوة بإسبانيا التي تحتفي بيوم الأندلس؟

إن الألاف من الموريسكيين الذين فرو من الأندلس، هم أندلسيون استوطنوا بعض المدن المغربية (شفشاون – طنجة – العرائش – الحسيمة..)،هؤلاء يجب أن تحفظ ذاكرتهم لما قدموه باندماجهم في محيطهم الجديد، فنحن لا نعرف الأندلس إلا بمهرجانها السنوي الذي يقام بفاس حول الموسيقى الأندلسية (هناك 18 مهرجان لحدود الأن)، فالأندلس أو “الأندلوش” حسب اللسان القشتالي، هي أرض الأندلسيين، فهؤلاء النازحون أصبحوا يكونون لحمة المجتمعات الجنوبية، فمتون الكتب و المجلدات تحكي بأنهم لازالوا هنا بالأندلس بمعمارهم و حدائقهم، و بخطهم العربي الذي لازال شاهداً على وجودهم من خلال نقوشه بالأعمدة الرخامية بالقصور و البيوت و المنارات، فنحن نسأل التاريخ عن الوجود العربي بالأندلس، خاصة إذا علمنا أن هناك حيثيات معتمة لازال المؤرخون لم يكتشفوها بعد، و لم نعلمها منهم، إذ هناك مناطق ظل معرفية معتمة لا تزال في حاجة إلى مقاربات علمية دقيقة لكشف ما تحمله من أسرار، فمن هنا تأتي الأهمية الكبرى لكتاب الدكتور محمد رزوق “الأندلسيون و هجراتهم إلى المغرب”، الذي اعتمدت عليه في هذه الورقة حول “ذكرى الأندلس” (1)، و الذي ينقسم إلى ثلاثة أبواب :

 يتناول الباب الأول المد المسيحي بالأندلس، والباب الثاني الهجرة إلى المغرب قبل (1609)، والباب الأخير (الثالث) يتكلم عن الحضارة الأندلسية المغربية.

 لقد تكلم هذا الكتاب عن أوضاع الموريسكيين في ورقات قليلات راصداً وجودهم بالمغرب والجزائر وتونس، تم استعرض الكاتب قرار التعميد الإجباري ضدهم من طرف الكنيسة الكاثوليكية سنة (1502)، حيث أصبحت محاكم التفتيش تطبق بصرامة الوصية التي كتبها الملك “فرناندو” لشارل الخامس، إذ نجده يأمره بضرورة اختيار محقيقين أكفاء ومخلصين للإيمان الكاثوليكي لتضيق الخناق على طائفة محمد.

إن لعنة التحولات الحادة التي ميزت تاريخ الأندلس، وطبعته بنكهة درامية بالغة التأثير، قد انتقلت إلى التاريخ المغربي، بل أن الأكثر من ذلك، أن هناك كتابات تاريخية مجهولة التأليف تكلمت عن المحنة بشيء من الاستعطاف والشعور بالهوان، وهي كتابات عديدة نذكر منها هنا ثلاثة كتب: “نبذة العصر في أخبار ملوك بن نضر” و “تاريخ الدولة السعدية”، و “رسائل سعدية”.

أولاً: نظرة الباحثين الأوربيين والعرب للمحنة المُوريسكية.

اعتبر الباحثون الأوربيون موضوع المُوريسكيين موضوعاً أوربياً مسيحياً قبل أن يكون موضوعا إسلامياً، وكان من نتائج ذلك أن تنوعت الدراسات إلى درجة أصبحنا نجد معها تخصصات جزئية داخل التخصص العام (2)، في الجانب الأخر نجد أن الباحث العربي – في أغلب الحالات – لا تسموا المواضيع التي يتطرق إليها عن الإثارة العاطفية و الإيديولوجية، على اعتبار أن مأساة لحقت بالتاريخ العربي الإسلامي دون دراسة أبعاد هذه المأساة حضارياً و سياسياً، سواء على صعيد المجتمع الإسباني نفسه، أو على صعيد المناطق التي استقر بها المُوريسكيون، فلزال هذا العقل الإسلامي لم يتحول من موضوع بحث إلى ذات باحثة، ذلك بتحول العقل الغربي بالنسبة له من ذات باحثة إلى موضوع للبحث، فقد ظل اهتمام الباحثين العرب لفترة طويلة موجها بشكل مكثف إلى دراسة تاريخ الأندلس خلال قيام دولة الإسلام، نتيجة توفرهم على عدد من المصادر الأندلسية المتعلقة بتلك الفترة، في حين اتجه عدد من الباحثين الأوربيين إلى دراسة تاريخ المُوريسكيين بإسبانيا بعد سقوط غرناطة، فدرسوا تاريخهم من خلال وثائق محاكم التفتيش، ومن خلال أرشيفات المناطق التي استقروا فيها بإسبانيا، و كذا من خلال المصادر المعاصرة (3).

وكما هو معلوم فإن كلمة “مُوريسكي” مشتقة من “مُورو”، وهو المغربي بالإسبانية، وكانوا يقصدون بها الشعب المُنتصر، وكانوا يعطونهم صبغة أمة غريبة عن إسبانيا تعيش فيها، لذلك يجب إدماجها بين الإسبان بالتنصير أو إخراجها، أما بقاؤها على حالتها فهذا ما لا يقبل ولا يمكن أن يحتمل، وقد كان ما كان من نهايتهم المؤلمة، فهذه الأمة جاهدت وخاضت معارك عدة، وقامت بثورات عديدة أشهرها ثورة “جبال البوشارات” بناحية غرناطة سنة (1570 م) التي عينوا فيها ملك عليهم، لقد عرف المغرب هجرة أندلسية بالعهد الوطاسي (1471 – 1553 م) بشكل كبير، ثم هجرة مماثلة بالعهد السعدي الأول (عهد محمد الشيخ و عبد الله الغالب) في فترة كان فيها الوطاسيون في صراع مع السعديين على السلطة، و هي فترة قحط و أوبئة، و قد عنى هؤلاء المهجرون من الاضطهاد الديني و حتى الفكري، و من مظاهر هذا الاضطهاد إتلاف الكتب خلال العصر الوسيط، إذ تمت عملية احراق الكتب كعنف رمزي مُورس بشكل علني احتفالي، و هذا من أشد أنواع العنف الذي مورس على الكتاب.

فخلال سقوط أخر المعاقل الإسلامية بالأندلس (غرناطة)، اعتبر الايبيريون أن حربهم بالأندلس والشواطئ المغربية هي حرب استرداد، وردة فعل لما قام به المُسلمون في شبه الجزيرة الايبيرية، وهذا ما يفسر ارتداد مجموعة من المغاربة في العهد الوطاسي، فقد تراسل الوطاسيون والبرتغاليون بشأن هذه الردة المجردة، إذ شجع البابا على تدجينهم (تنصيرهم كاثوليكيا) (4)، لقد غادر ملك غرناطة أحد أخر ملوك بني الأحمر وملوك الطوائف، أبو عبد الله محمد عاصمة ملكه، فدخلها الإسبان سنة (1492 م)، إذ حكم المسلمون الأندلس منذ (711 م) إلى حدود (2 يناير 1492 م)، أي عند دخول الملكين الكاثوليكيين “فرناندو – إيزابيلا” غرناطة، وقد أشار إلى هذه المأساة الكاتب الإسباني الشهير “ميكيل دي إيبالتا” في كتابه “المُوريسكيون في إسبانيا والمغرب”(5).

ثانياً: كتابات عن الأندلس.

“الأنوار النبوية في أباء خير البرية” محمد عبد الرفيع (1635 م).

“العز والمنافع للمجاهدين بالمدافع” إبراهيم غانم (1632)، كتب هذا الكتاب باللغة الإسبانية بتونس، وعربه أحمد بن قاسم الحجري (1638).

“ناصر الدين عن القوم الكافرين” أحمد بن قاسم الحجري (1637)، ألف هذا الكتاب بطلب من شيخ المالكية بمصر “علي الأجهوري”، وهو مختصر لكتابه “رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب”.

“نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي”.

وقد أورد “محمد الأفراني” عدة إشارات تخص نوعية العلاقة التي كانت قائمة بين الأندلسيين و”العياشي المجاهد”، إذ تعرض أولاً إلى الأسباب التي أدت إلى توتر هذه العلاقة بين الطرفين، وإلى تمكن العياشي من الحصول على فتوى للإمام عبد الواحد بن عاشر في شأن مقاتلتهم، وكذا إلى استنجاد الأندلسيين بالدلائيين (ص 264، 267، 270)

“فتح الطيب من غض الأندلس الرطيب” أحمد المقري (1629 م)، ألف المقري هذا الكتاب للتعريف بأديب الأندلس الكبير “لسان الدين بن الخطيب”، فكانت بذلك مناسبة ليعرض فصول التاريخ الأندلسي، فقد أشار لسقوط غرناطة به، و إلى انتقال الأمير “أبي عبد الله” إلى المغرب مع أهله و إقامته بمدينة فاس، و إلى وضعيتهم هناك بالمدينة الإدريسية، كما أورد رسالة الأمير الغرناطي إلى الشيخ الوطاسي المسماة “الروض العاطر الأنفاس في التوسل إلى المولى الإمام سلطان فاس”، و تعرض في الأخير للثورات المتلاحقة التي عرفتها غرناطة بعد سقوطها و صدر قرار الطرد ( 1017 ه / 1609 م)، و خروج الأندلسيين إلى فاس و تطوان و سلا، و استخدامهم من طرف السلطان “زيدان” في الجيش، و كذا إلى جهادهم البحري، و نشاطهم العمراني.

فماذا نعرف عن الأندلسيين كإمارة؟ (750 – 1031 م)

لما قامت الخلافة العباسية طارد العباسيون الأمويين، لكن عبد الرحمان الداخل بن معاوية بن هشام حفيد هشام بن عبد الملك، و هرب إلى فلسطين و منها إلى مصر ثم المغرب، و بعد خمس سنوات من التجول و التخفي عن عيون العباسيين، مكت عند أخواله الذين أكرموه، و من هناك راح ينتقل من “برقة” إلى “المغرب الأقصى” حتى وصل إلى مدينة “سبتة” سنة (755 م) و راح يعد العدة و يلتقط أنفاسه، و يرسم الخطوط العريضة لإقامة دولة يحيي بها مجد أبائه و أجداده الأمويين، و أخد يتطلع إلى الأندلس الإسلامية ليقيم فيها الخلافة الإسلامية الأموية من جديد، فهي البلاد التي احتلها الجيش الإسلامي بقيادة “طارق بن زياد” و “موسى بن نصير” زمن الأمويين سنة (711 م) و إليهم يرجع الفضل في احتلالها.

ويرى “ابن عذارى المراكشي” أن المسلمون أطلقوا على شبه الجزيرة الإيبيرية كلمة “الأندلس”، وهي تقابل كلمة “فاندالوسيا”، التي كانت تطلق على الإقليم الروماني الذي احتله الوندال الجرمانيون ما يقرب من عشرين سنة، ويسميهم “الحميري” ب”الأندليش” و يرى البعض أنها مشتقة من قبائل الوندال التي أقامت بهذه المنطقة، و يرى البعض الأخر أنها ترجع إلى “أندلس بن توبال بن يافث بن نوح”، و تشمل الأندلس إسبانيا و البرتغال.

الهامش:

1 – “الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب” محمد رزوق / إفريقيا الشرق 1989.

2 -يمكن أن نتعرف عن هذا بوضوح من خلال أعمال المؤتمر العالمي الأول للدراسات المُوريسكية المنعقد بمونبولي (يوليوز 1981 م)، والمؤتمر العالمي الثاني للدراسات المُوريسكية المنعقد بتونس (شتنبر 1983).

Les morisques et leurs temps identite et sources – paris 1981

Decumentaires sur morisque andalous religion – touns 1984

3 – أحصت الباحثة “ماريني ريفيار” أكثر من 2000 عنوان (مصادر ودراسات).

4 – أنظر رسالة الملك يوحنا الأول إلى ملك الأراغون، وخطاب سفير البرتغال لدى المجمع الديني سنة (1516 م) عن أحمد بوشرب “دكالة والاستعمار البرتغالي” (ص 148).

5 -هذا الكتاب صادر عن المركز القومي للترجمة، ترجمه الدكتور جمال عبد الرحمان.

محمد سعيد: عضو المكتب التنفيذي لمركز الدراسات والأبحاث الإنسانية

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: