من “يوميات سكير”.. العبرة حصاد تجربة،، الليلة الموعودة الحلقة (2)

0

site/groupebziouiholding

عبد العزيز بنعبو – ريحانة برس

الليلة الموعودة

بدأ العد العكسي لليلة “السكرة الشهرية”، المفكرة اليومية تشير إلى 28 من الشهر في عام 1999، مع العلم أن موعد “المانضة” غير مضبوط يكون بين الاول من الشهر وقد يمتد إلى الخامس منه.

اذكر تلك الأيام، الجو منعش والسير في شوارع الرباط يشبه جولة رومانسية على ضفاف الحلم، كنت أتعمد السير من مقر الجريدة إلى مقهى “المثلث الاحمر”، أو إلى مكان آخر إن كان هناك ما يدعو إلى ذلك مثل ندوة أو لقاء أو غيرهما من التزامات المهنة.

خلال ذلك المسير المعتاد، لم أكن أقصد المقهى مباشرة بعد مغادرة الجريدة، أختار طريقا طويلا نوعا ما فقط لكي أتأمل قليلا الاماكن والوجوه والابتسامات والانفعالات وكل تلك الحركات والسكنات، من شارع مولاي احمد الوكيلي بالقرب من مقر الإذاعة والتلفزة، إلى شارع محمد الخامس مرورا ب “مارشي النوار” ثم محطة القطار المدينة، وبعدها تميل الخطوات ناحية البرلمان، أعبر بعد ذلك الشارع مباشرة إلى “الروبيو” وكشكه الشهير.

ذلك روتين الجولة الرباطية ما بعد الانتهاء من الجريدة، لكن المهم في تلك الأيام الأواخر من الشهر هي اختيار ما سيناسب الليلة “الشاخدة” وما يناسب طبعا السيد الجيب المحترم الذي يفرض شروطه كما يريد فهو المنتصر دائما في معركة المصاريف.

غالبا كنت اختار “الوسكي” أو “الفودكا” الصنف الرخيص والقنينة الصغيرة من حجم نصف لتر فقط، والقلب كان يميل أكثر لـ “الجين” واخلطه مع “شويبس” ومن اجل بعض “الرفاهية” المسروقة قليل من الحامض إن توفر وبعض “الكورنيشو” إن امكن وما تيسر من “قطعة” بئيسة لكنها كانت أيامها مثل غنيمة في حرب مع اليوميات وتكاليفها المرهقة.

نظرت إلي زوجتي في الصباح، ورأت ابتسامة تعلو وجهي، دون أن تسأل ادركت انني مقبل على الليلة الموعودة و”السكرة الفاعلة التّاركة”، فاليوم هو الثالث من الشهر وحتما لن تتأخر “المانضة” اكثر من ذلك..

صدق حدسي، وبمجرد وصولي إلى مقر الجريدة وقبل أن أجلس إلى مكتبي وأتصفح ما توارد عليه من بريد مكتوب طبعا، لأن الإلكتروني كان ضربا من الخيال في تلك الأيام. قلت بمجرد وصولي بشّرني أحد الزملاء قائلا: “الخلاص اليوم”.

طبعا لا احد يغادر الجريدة، وكنا ساعتها نتسلم رواتبنا مباشرة، لا حساب بنكي ولا هم يحزنون، مباشرة من حقيقة المشرف المالي ويحسبها عدة مرات قبل أن يسلمك تلك “البركة”، يحسب في المرة الاولى وفي الثانية وعندما يسلمها إليك يسترجعها ويعيد حسابها مرة ثالثة، كان يخاف من ان تفر منه إحدى الاوراق الزرقاء أو البنية، فيصبح في حيص بيص.

كل ذلك الانتظار لا يضيع، بل أجره مضاعف في الفرحة المستحقة لأغلب العاملين من زملاء صحافيين أو تقنيين أو راقنات، كلهم يتساوون في ميزان الحسنات ويكتب لهم أجر “الاستسقاء” بعد أيام الشهر القاحلة.

أخيرا… “جات نوبتي”، فلم يكن هناك معيار “لي وصل هو الاول” يكون موقعه في صف “الخلاص”، وقفت امام ذلك الرجل وكم كنت أحترمه ليس بسبب الراتب بل لأنه حريص كل الحرص على أن لا يضيع أي درهم في الجيب الخطأ، والعجيب في الامر أن كل من تولوا تلك المهمة كانوا على قلب رجل واحد، كما لو تم استنساخهم في خزنة مالية أو مصنع ما..

غادرت مكتب السيد المحاسب و”المانضة” في جيبي، طبعا لم أفكر لا في الكراء ولا في فاتورة الماء والكهرباء وما جاورهما من فواتير اليوميات ومصاريفها، مباشرة إلى تلك الخطوات المعتادة لكنني اختصرت المسافة هذه المرة وسرت مباشرة إلى المقهى، في انتظار موعد اقتناء “القرعة” والجري بها إلى المنزل..

“البيسري” بالقرب من حانة “طنجة” الشهيرة، وأفواج السكارى تملأ المكان، بشق الانفس تمكنت من الحصول على قنينة “جين”، ومعها خليطها الذي يزيد من حجمها طبعا ويخفف من مذاقها، لكن المهم هو ما تفعله تلك الجرعات بالرأس وليس كيف تمر عبر الفم واللسان والحنجرة ثم تستقر في المعدة، كل هذا الطريق يتم اختصاره بلوغا إلى النشوة فقط.

الأن وأخيرا… القنينة تحتل مكانها إلى جوار معدات الصحافي في حقيبتي من كراسة ومذكرة و”بلوك نوت” ومسجلة للحوارات والتصريحات وأشياء اخرى كثيرة..

في طريق العودة إلى المنزل، وكنت قد انتقلت إلى حي “قرية أولاد موسى”، لعدة اعتبارات مالية بالأساس، لأن حي “أكدال” لا يناسب الراتب مطلقا… في الطريق “الكراريس” تملأ الشارع، الفاكهة “غير مزلعة” وكنت معتادا على اقتناء ما تيسر من “بنان أو تفاح” أو أي فاكهة موسمية تكون جاهزة وثمنها لا يحرج الإمكانيات… لكن هذه الليلة خاصة ويلزمها بعض الاستثناء.

كانت الساعة تشير إلى الثامنة مساء عندما دخلت منزلي ووجدت في استقبالي كالعادة زوجتي وابنتي، تلك الإبتسامة البهية التي تعلو وجههما معا، تعيد الروح إلى الميت… أغير ملابسي وأسترخي على “السداري” المعتاد وأمامي التلفاز الصغير من حجم 14 وكان هدية في بداية زواجي، أشاهد كل شيء ولا أشاهد أي شيء لم تكن هناك اختيارات كثيرة فقط الأولى والثانية “دوزيم”..

بعد ساعة ونصف أو ربما أكثر، تكون وجبة العشاء جاهزة، لكنني أفضل تأخيرها حتى تصبح طعاما لسكير في وسط مأدبته الشهرية..

الحلقة المقبلة… “الطايح كثر من النايض” وهكذا تمر الليلة الاولى وكيف يكون مفعول تلك الكؤوس على رأس يجب ان يدور لأنه ليس “كدية”..

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: