عبد الله الجباري يكتب : الحضرة الصوفية، العمارة، في التصوف المغربي

0

site/groupebziouiholding

عبد الله الجباري – ريحانة برس

للذكر أقوال، وللذكر أحوال.
ومن أحوال الذكر الوَجد أو التواجد.
والوجد درجات ومراتب، قد يصل فيها الذاكر إلى غيابه عن حسه، أو غياب حسه عنه.
وأثناء الذكر قد تصدر عن الذاكر حركات لا إرادية، قد لا يضبطها، وقد لا يتحكم فيها،
مثل قراءة القرآن، حيث يجد القارئ نفسه أثناء جلسة القراءة يتمايل بطريقة إيقاعية من جهة الأمام إلى الخلف، أو بطريقة أفقية، من جهة اليمين إلى اليسار.

وإذا تفطن إلى حركاته وأراد توقيفها، فإنه سرعان ما يرجع إلى تلك الحركة لا إراديا. وكأنه يرقص جالسا مع إيقاع قراءته.
وإذا تفطن إلى حركاته وأراد توقيفها، فإنه سرعان ما يرجع إلى تلك الحركة لا إراديا. وكأنه يرقص جالسا مع إيقاع قراءته.

هذه الحركات في جلسة الذكر القرآني، تصدر عن الإنسان في لحظات الذكر الأخرى، فتجده يتمايل جالسا متابعا إيقاع ذكره، سواء مع ذكر الهيللة أو الصلة على النبي صلى الله عليه وسلم أو التكبير، ويزداد ذلك حين يستغرق في تلاوة الأذكار المنظومة، والمدائح النبوية، خصوصا إن كان مع جماعة، الإنسان المستغرق في هذه اللحظات لا يستطيع التوقف عن إصدار تلك الحركات والتمايلات.

وفي الثقافة الصوفية عامة، وفي التصوف المغربي خاصة، لم تبق حلقات الذكر بدون تنظيم، بل نظمها أرباب التصوف وشيوخه بطريقة جمالية جلالية، فنجد عندهم فريق الإنشاد، يقوده القوال المنفق، ويسمى صاحب النّْفْقة، والآخرون يرددون خلفهم.
هذه اللحظات الخاشعة، تتطور على مستوى القول، وعلى مستوى الإيقاع والمقامات والطبوع، وهو ما يضفي على الجلسة صبغة غايةً في الجمال.

وفي المغرب، يبقى المنشدون جلوسا، إلى أن تتطور الحلقة إلى ذِكر حلقي واقف، مع تماسك الأيدي، والانخراط في حركات موزونة كما كانت في الجلوس، وقد تكون من أمام إلى خلف، ولها إيقاعات مختلفة، كما تكون من أعلى إلى أسفل. وفريق الإنشاد لا يسكت طيلة لحظة الذكر، وقد تتخلل ذلك أشعار بعض المتصوفة، كقصائد ابن الفارض أو الششتري أو ابن العربي الحاتمي أو سيدي بوعبيد الشرقي أو سيدي محمد الحراق أو غيرهم. ويخللون تلك القصائد بلازمة تتكرر كالهيللة أو ذكر الجلالة.

وكثير من الفقهاء لم يكونوا من أهل الذكر، لذا أصدروا فتاوى المنع والتحريم، فردّ عليهم فقهاء آخرون من الجامعين بين الفقه والتصوف، ومن أفضل من كتب في الحضرة أو الرقص الصوفي، الذي يسمى بالعمارة، الشيخ الفقيه عبد الكبير الكتاني، أورد نصوصا عديدة في الموضوع، وتأصيله من ال تقرير النبوي للأحباش الذين رقصوا في المسجد النبوي، وكان رقصهم مصحوبا بالقول الحسن.

ويستدل الصوفية لعملهم هذا بالإباحة الأصلية، وبحديث الأحباش السابق، وبحديث “أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون”، والمنكِر للقوم يكاد يصفهم بالجنون في تلك اللحظة، مصداقا للحديث النبوي. وقال الحافظ أحمد بن الصديق الغماري تعليقا على هذا الحديث: “وهذا الحديث عظيم الشأن جليل المقدار يشتمل على فوائد كثيرة أوصلها العارف أبو عبد اللَّه محمد بن علي الزواوي البجاي إلى مائة وستة وستين فائدة في مجلد لطيف سمَّاه “عنوان أهل السير المصون وكشف عورات أهل المجُون بما فتح اللَّه به من فوائد حديث: “اذكروا اللَّه حتى يقولوا: مجنون” وقد قرأته وانتفعت به والحمد للَّه”والمغاربة سموا الحضرة “عمارة” لأنها لحظة تعمير القلب بالذكر، والصوفية يعبرون عن القلب بكونه بيت الله، وعمل الفقراء في هذه اللحظة يسمى “تعمير”، وغالب لحظاتهم يرددون “الله حي”، وللصوفية، خصوصا سيدي أحمد بن عجيبة، وقفات تأملية مع الاسم “الحي” على مستوى التخلق والتحقق والتعلق.

وللمغاربة تسميات خاصة بلحظات العمارة وانتقال طبوعها، منها المهزوز والمقنطر والموسع وغيرها. وأحيانا يتخلل العمارة إنشاد فردي، هو الموال.
وتختم العمارة في الثقافة الصوفية المغربية برفع الشيخ لسبابته بقوله محمد رسول الله، بعد الهيللة، ثم الختم جلوسا بقراءة القرآن والدعاء,
هذه اللحظات الجمالية الموزونة والمؤطرة بتراث الصوفية، بدأنا نرى بعض الاختلالات التي تؤثر على جماليتها، مثل ما نرى في الطريقة البودشيشية، حيث لا يقومومن جماعات منظمة ومحلقة، بل كل واحد يقوم لوحده، وكأن لكل واحد حضرته، وكذلك الأمر بالنسبة للكركريين، فهؤلاء يسيئون إلى التصوف في كل شيء.

ولعل أحسن معبر عن التصوف المغربي في هذا المجال من الذكر والجمال هم الدرقاويون بكل فروعهم، ولعل للشيخ محمد الحراق دور في هذا الترسيم والتنظيم، وهذه مسألة تحتاج إلى بحث.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: