ثرثرة قلم: مين فينا المعتوه في هذا الزمان المشوم؟

0

ريحانة برس – محمد عبيد

سلام وما عدت أعف عن كلام يانفسي المنغرسة في الأحلام والأوهام وفي سيرتي لا أنام… أشعر بمارد يسكنني.. يبيح لي كل ممنوع، فقدم مفلساً مع قوة الحجة عليه،… كثيرا ما رفعت رأسي ونظرت بعيدا باحثا عن البهرح الزاهي… متجاهلا بل ومتفاديا النظر إلى الخلف وما دونه الظهر وما يجره من ذيول مزيفة، باحثا عن مسلك يبعدني عن حد، لا ولم أعد استحمل العودة فيه….

تتبادر إلى بناة أفكاري الكثير من علامات الاستفهام حول هذا الواقع الجديد وأية يد ساحرة تسلطت على هذا الوطن وناسه البسطاء والطيبين والساعين إلى العيش الكريم لا غير…

فكثيرا ما أتسأل كيف سيكون القادم الذي يمطرنا على غير ميعاد؟! طال المغيب وضاعت البشائر، هذا العالم بوسعه ضاق علينا، الهواء خانق واليوم مثل الأمس، نفوس مريضة، قرارات غير مسؤولة، أفكار مترددة وشاردة، لا ثبات ولا رسوخ في الرأي، قتلتنا المبادئ الكاذبة والألسن المزمرة!

أفكر بكل هذا وغضب وثورة يطحناني، أريد أن أثور واسمع العالم ضجيجي الذي لا يصمت… غاضب لأن أصبح وطني يُخاف منه …

… فتراءى لي ذاك البهرج الزاهي وظننت أني قد سلكت من مدغر اليأس، ولكن ما سلك عما تشبثت به ظنوني… فما كان مني إلا السير تارة ساخرا وتارة ابتسم حتى لايسيطر على نفسي الانفجار..

حقا تعبت.. فكرت وأعدت التفكير فما خلصت إلى أن الحياة تافهة. نعم كم هي الحياة تافهة؟!! وما اتفهها حقا!؟.

إني مرهق واحتاج إلى نوم حتى اجد نفسي مع أهل الكهف، وحتى تجد لربما الراحة الضائعة سبيلها إلي.

أفر إلى سريري، وأجهز نفسي للنوم هروبا من جحيم المعاناة، ومن كوابيس اليأس، ولو ساعات…..

لم تغمض جفوني إلا لحظات وإذا بي اجدني في عالم سوق بالمزاد، حيث اجتمع نفر من القوم الشبعان والجيعان…. ماذا حدث؟

(خير وسلام)، ناقش الآنام موضوع حياتهم، وتساءلوا: “أهُم أهل عقب ام قوم عميان؟..

….تفحص غني بدن فقير بعينين مدربتين على التفحص قبل إبداء الرأي….قال له:

إن الله يحب الفقراء… صحيح أنهم لم ينالوا قسطا وافرا من الغنى، ولكنهم أغنياء في أحشائهم. هو يختبرهم حتى يعرف من يكون صبورا، ومن يكون جاحدا.

رد عليه الفقير: أَتُوَّجِهُ حديثك إليّ أيها الأبله؟

_ طبعا. أترى أنني أحدث نفسي؟

_ كلا. ولكن يبدو أنك أخطأت الهدف.

_ أخطأت الهدف؟

_ طبعا. أنتم دائما توجهون نصائحكم إلى معشر المعتوهين من الفقراء. وأحيانا تقولون لهم إن ما لا يُرى هو الأفضل. لا تحدثون أنفسكم أو أصدقاءكم من أكلة اللحم الآدمي.

– كنت معتوهاً عندما بدأت كل هذا؟ أظن فعلاً أن هذا غريباً خاصةً وأن هنالك معتوهاً يعرف بشأننا الآن…

– قد أكون معتوهاً مثلك لكنني ذكي وبإمكاني أن أخرج من هذا المكان لأنني أريد ذلك…

– هذا الرجل كان من الممكن أن يكون معتوها، لكن لا يمكن أن يكون المرء معتوها ويتجمهر عليه القوم كله!!؟… لا يمكن أن يكون ذلك المعتوه بهذا الشكل مميزاً؟… أ لايمكن أن يكون كل هؤلاء معتوهون ومضطربون نفسيون؟

– المعتوهون العاديون يرون كل شيء أخضر..

– إسمعوا يا أيها المعتوهون الصغار، أنا أعلم أين تعيشون، لقد رأيت أين تنامون.

رجاء انصحوا الأغنياء.. وإلا صرنا كلنا فقراء وأغنياء معتوهين.

المسألة لم تعد تتصل بهوًى حُرٍّ ينتابنا جميعا نحن البشر القذرين الذين نحب الحياة والمال ونريد أن نكون جميعا هرقل هذا الزمان”…(خير وسلام!).

وفي جوف الليل البهيم أتى صوت والدي من بعيد كأنه قادم من قعر بئر: إلى متى ايها المعتوه تظل حبيس هذا الركن وهذا المشقوف “الحاسوب”؟!”…

نهضت فجأة وكأني خائف من شيء ما وبدأ قلبي يخفق وأحسست بدوار وحتى وأن بقيت بالفراش ولم أقف وأحيانا رجفة بقدمي….

تستطيع أن تتجنب الوقوع في براثن الشيطان الحقيقي من الشارة الظاهرة على جبينه والمكتوبة بخط عريض بارز تبين هويته الحقيقية، لكن كيف تستطيع النجاة من الملائكة/الشياطين المستترة المتخفية وراء برقع أو قناع تمويهي قد تكون ابتسامة أو تربيتة على الكتف أو لحظة حنان؟!! عرفت الآن لماذا اخترعوا المثل ” اللهم احفظني من أصدقائي!” ..

• للشيطان شخصية مستقلة، إنه يدافع عن آرائه حتى وهو يعلم أنه على خطأ، وله القدرة على تحويل الحق إلى باطل والباطل إلى حق. بينما الملائكة لا تجيد سوى التسبيح وتنفيذ الأوامر ولا تجرؤ على الدفاع عن صحة أقوالها حول مستقبل الإنسان على الأرض وخطأ أقوال الإله! {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة30 وأثبتت القرون الطويلة صحة قول الملائكة وأن الله لا يعلم شيء !

• لو قيل لك:” هل أنت من أنصار الشيطان ؟!” لأجبت دون تردد:” لا. أنا من أنصار الملائكة“!، ولو سألك: ”وما رأيك بالمثل القائل”لا دخان من غير نار”؟ سترد: ”مثل لا غبار عليه“! وستدرك أو لا تدرك أن هذا المثل وتلك العبارة ثقافة شيطانية! من قال بأن الأقوال تطابق الأفعال؟!!!

أن تتصرف الشياطين وفقا لطبيعتها الشيطانية فلا لوم عليها. الأقسى أن تتحول الملائكة إلى شياطين. والأكثر قسوة أن تكتشف أن الملائكة لم تكن سوى شياطين حقيقية متلفعة بثياب ملائكية….

ويبقى هذا القول المأثور من مقامات بديع الزمان الهمداني ساري المفعول:

“هذا الزمان مشوم… كما تراه غشوم

الحمق فيه مليح والعقل عيب ولوم

والمال طيف ولكن حول اللئام يحوم”

فعلا هذه الأبيات تمس شعور الحاضر المسيطر والسليط علينا.

ومهما يكن من شيء، فلن يمكن نكران ما وفق إليه بديع الزمان من نقد طائفة كبيرة من خصال اللؤم والنفاق والضعة والإسفاف، وما إلى ذلك من الهنات التي يوصم بها من تساعدهم الظروف على التغلب والاستعلاء، ثم لا يكونون في أنفسهم وفي سلوكهم إلا برهانًا على فساد الحياة ونقص الأحياء….

هي صورة جزئية لحياة العصر الذي تفشت فيه عادة التلصص والكذب.

فمين فينا المعتوه في هذا الزمان المشوم؟

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: